
في مكان ما قبالة سواحل مدينة سافانا بولاية جورجيا الأمريكية، ترقد قنبلة هيدروجينية في قاع المحيط الأطلسي منذ عام 1958، أسقطتها القوات الجوية الأمريكية خلال حالة طوارئ، ثم بحثت عنها دون جدوى، قبل أن تتوقف عن البحث بهدوء وتعلن أنها «لا تشكل خطرًا». ومنذ ذلك الحين، مضت السلطات الأمريكية في طريقها وكأن شيئًا لم يكن.
وتطلق الولايات المتحدة الأمريكية مصطلحا على الحوادث النووية يُعرف باسم «السهم المكسور» (Broken Arrow)، وبين عامي 1950 و1980، اعترفت الحكومة الأمريكية رسميًا بوقوع 32 حادثًا من هذا النوع.
نتحدث عن 6 قنابل نووية أمريكية لم يتم العثور عليها أبدًا، وهذا يعني ستة رؤوس نووية اختفت ببساطة، وبعضها يمتلك قوة تدميرية تفوق بأضعاف عديدة القنبلة التي دمرت هيروشيما.
هذه ليست نظرية مؤامرة، بل وقائع موثقة في سجلات عسكرية وملفات حكومية رفعت عنها السرية، لكنها تمثل جزءًا من التاريخ الذي غالبًا ما يُنسى، ليس لأنه سري، بل لأنه محرج للغاية.
كيف يمكن أن تضيع قنبلة نووية؟
خلال الحرب الباردة، تبنت الولايات المتحدة استراتيجية تقوم على إبقاء قاذفاتها النووية في الجو بشكل دائم لردع أي هجوم سوفيتي محتمل، وعُرفت هذه الخطة باسم Chrome Dome.
كانت مئات قاذفات B-52 تحلق ليلًا ونهارًا فوق المحيط الأطلسي والقطب الشمالي وحتى فوق مدن أمريكية، وهي تحمل أسلحة نووية حقيقية بانتظار أوامر لم تصدر أبدًا، لكن الإبقاء على هذا العدد من الأسلحة النووية في الجو لعقود متواصلة جعل وقوع الحوادث أمرًا شبه حتمي.
وكان العسكريون يدركون هذه المخاطر ويعتبرونها ثمنًا للردع النووي. إلا أنهم لم يحسبوا جيدًا ما قد يحدث عندما تقع تلك الحوادث فوق المحيطات أو المناطق النائية أو أثناء أزمات دبلوماسية حساسة مع حلفاء الولايات المتحدة، والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الحوادث كانت على بعد خطوة واحدة فقط من كارثة نووية حقيقية.
إقرأ أيضا: فزاعة نشر السلاح النووي الروسي في بيلاروسيا
قنبلة سافانا المفقودة: 67 عامًا في قاع البحر
في 5 فبراير 1958 اصطدمت قاذفة أمريكية من طراز B-47 بمقاتلة F-86 خلال تدريب عسكري قبالة سواحل ولاية جورجيا، وكانت القاذفة تحمل قنبلة هيدروجينية من طراز Mark 15 تبلغ قوتها التدميرية نحو مئة ضعف قوة قنبلة هيروشيما.
بعد الاصطدام، وجد الطاقم نفسه أمام خيارين: محاولة الهبوط بطائرة متضررة تحمل سلاحًا نوويًا، أو التخلص من القنبلة في البحر والعودة للبحث عنها لاحقًا.
اختار الطيارون إسقاط القنبلة في مياه Wassaw Sound بالقرب من جزيرة تايبي، وبعد أسابيع من عمليات البحث المكثفة، فشلت القوات الأمريكية في العثور عليها وأوقفت العملية، مؤكدة أن القنبلة لا تمثل خطرًا إشعاعيًا.
ووفق الوثائق التي كُشف عنها لاحقًا، فإن القنبلة ما تزال مدفونة تحت طبقات من الرواسب والطين على عمق يتراوح بين 12 و15 قدمًا فقط.
كما كشفت وثائق رفعت عنها السرية أن القنبلة كانت تفتقد أحد المكونات الأساسية اللازمة لإحداث انفجار نووي كامل، إلا أن ذلك لا يلغي احتمال التلوث الإشعاعي إذا تعرضت للتلف، وحتى اليوم لم تقدم السلطات تفسيرًا مقنعًا لسبب حمل سلاح نووي خلال مهمة تدريبية فوق منطقة مأهولة بالسكان.
إقرأ أيضا: اكتشاف جينات الفضائيين في الحمض النووي لدى البشر
كارثة بالوماريس في إسبانيا
في 17 يناير 1966 اصطدمت قاذفة B-52 بطائرة تزويد بالوقود فوق قرية بالوماريس الإسبانية، وكانت القاذفة تحمل أربع قنابل هيدروجينية، أدى الاصطدام إلى انفجار الطائرتين وسقوط القنابل النووية.
تحطمت اثنتان من القنابل فوق الأراضي الإسبانية، ما أدى إلى انتشار تلوث من البلوتونيوم في مساحة واسعة من الأراضي الزراعية، وسقطت قنبلة ثالثة سليمة، بينما اختفت الرابعة في البحر الأبيض المتوسط.
أثار الحادث غضب الحكومة الإسبانية، واضطرت الولايات المتحدة إلى إرسال 1600 جندي و33 سفينة للمشاركة في عمليات التنظيف والبحث.
واستغرقت عملية العثور على القنبلة الرابعة 80 يومًا كاملة قبل اكتشافها على عمق يقارب 2500 قدم تحت سطح البحر، كما جرى نقل نحو 1400 طن من التربة الملوثة إلى منشأة للنفايات النووية في ولاية كارولاينا الجنوبية.
لكن القصة لم تنتهِ هناك. فبعد مرور ما يقرب من ستة عقود، لا تزال بعض مناطق بالوماريس تعاني من التلوث الإشعاعي.
ورغم توقيع اتفاق بين واشنطن ومدريد عام 2015 لاستكمال عمليات التطهير، فإن المشروع لا يزال يواجه تأخيرات دبلوماسية، فيما تشير تقارير إلى ارتفاع معدلات التعرض للبلوتونيوم بين السكان القريبين من موقع الحادث.
إقرأ أيضا: أخطر من النووي؟ القبة الذهبية الأمريكية التي تخيف الصين
قنبلة غرينلاند الغامضة
في 21 يناير 1968 اندلع حريق داخل قاذفة B-52 بسبب خلل في نظام التدفئة، ما أجبر الطاقم على القفز بالمظلات قبل أن تتحطم الطائرة فوق الجليد البحري في خليج نورث ستار قرب قاعدة ثول الأمريكية في غرينلاند. وكانت الطائرة تحمل أربع قنابل هيدروجينية.
لم تنفجر القنابل نوويًا، لكن المواد المتفجرة التقليدية الموجودة داخلها اشتعلت، ما أدى إلى انتشار البلوتونيوم ومواد مشعة أخرى فوق الجليد.
أطلقت السلطات عملية تنظيف ضخمة تحت اسم Crested Ice، شارك فيها عمال أمريكيون ودنماركيون في ظروف قاسية وسط درجات حرارة قطبية.
لسنوات طويلة أكدت الرواية الرسمية أن القنابل الأربع جرى العثور عليها بالكامل، لكن وثائق ظهرت عام 2008 كشفت أن ثلاث قنابل فقط استُعيدت، بينما بقيت القنبلة الرابعة أو أجزاء منها مفقودة حتى اليوم في مياه الخليج القطبية.
كما تبين أن الدنمارك، التي كانت تحظر وجود أسلحة نووية على أراضيها، لم تكن تعلم أن القاذفات الأمريكية تحلق فوق غرينلاند وهي تحمل أسلحة نووية حية.
