
تتسارع التطورات في سوريا نحو الأسوأ في ظل النظام السوري الجديد الذي يسعى لبناء دولة على أسس دينية راديكالية متشددة، تقصي الأقليات الدينية والعرقية – الدروز، العلويون، المسيحيون، والأكراد – وتدفع البلاد نحو حافة الحرب الأهلية الثانية.
بعد عقود من الصراعات والدمار، كان من المفترض أن تكون الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 فرصة لبناء سوريا موحدة تحترم تنوعها الثقافي والديني. لكن السياسات الإقصائية للحكومة الجديدة، التي يهيمن عليها تيار إسلامي متشدد، أعادت إشعال التوترات الطائفية والعرقية، مهددة وحدة البلاد.
السويداء: شرارة المقاومة الدرزية
المواجهات العسكرية العنيفة التي شهدتها السويداء بين قوات النظام السوري والفصائل الدرزية المحلية ليست مجرد نزاع عابر، بل مؤشر على رفض الأقليات الخضوع لسياسات دمشق القمعية.
الحكومة السورية، التي تسعى لفرض سيطرتها على هذا الإقليم الجبلي من خلال نزع سلاح الفصائل المحلية وإخضاع الدروز لسلطتها المركزية، واجهت مقاومة شرسة من فصائل مثل “رجال الكرامة” و”لواء الجبل”.
هذه المواجهات، التي أسفرت عن طرد قوات النظام من الجبل، كشفت عن عزم الدروز على الدفاع عن استقلالهم المحلي وهويتهم الثقافية.
في وقت كتابة هذا التقرير، وصل عدد القتلى إلى أكثر من 250 قتيل على الأقل في السويداء، وتنتشر مقاطع فيديو الإعدامات الميدانية ومقاطع قص شوارب الدروز.
من جهة أخرى تواصل اسرائيل ضرب القوات الحكومية السورية تحث مبرر “حماية الدروز”، وهو ما يضيف بعداً معقداً للأزمة، لكنه على الأقل يمنع من حدوث مجازر أكبر تريد القوات الحكومية ارتكابها.
لكن بالنسبة للدروز، فإن المعركة ليست فقط ضد النظام، بل دفاع عن وجودهم في ظل سياسات إقصائية تهدد هويتهم.
الأكراد: التحرك نحو الإستقلال الواقعي
في الشمال الشرقي، تحركت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يقودها الأكراد، لتعزيز سيطرتها على مناطق مثل الرقة، في خطوة تبدو استعداداً لمواجهة محتملة مع قوات النظام.
مقاطع فيديو استعراضية للقوات الكردية، التي انتشرت مؤخراً، تكشف عن تصميم الأكراد على حماية مناطقهم من أي محاولة لفرض السيطرة المركزية.
هذا التحرك يأتي بعد فشل المفاوضات بين قسد والحكومة السورية، بقيادة أحمد الشرع، الذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الفيدرالية التي تمنح الأكراد حكماً ذاتياً.
الأكراد، الذين يشكلون حوالي 10% من سكان سوريا، يرون في النظام الفيدرالي السبيل الوحيد لضمان حقوقهم في ظل دولة تحترم تنوعها.
لقد بنوا، خلال سنوات الحرب، إدارة ذاتية فعالة في شمال شرق سوريا، مع مؤسسات محلية تدير التعليم، الأمن، والخدمات، لكن إصرار دمشق على نزع سلاح قسد ودمجها قسراً في جيش وطني موالٍ للحكومة يهدد بإشعال صراع جديد.
إذا استمر هذا التصعيد، فقد يدفع الأكراد نحو إعلان استقلال فعلي عن دمشق، خاصة في ظل دعم الولايات المتحدة المستمر لهم كشريك استراتيجي في المنطقة.
العلويون: غضب متصاعد في الساحل
على الساحل السوري، حيث تتركز الطائفة العلوية، يتصاعد الغضب ضد الحكومة السورية الجديدة التي فشلت في إخماد حرائق الغابات في اللاذقية ومناطق الساحل، والتي تشير تقارير إلى أن العديد منها مفتعل.
قرار الحكومة بتسريح قوات الوقاية المدنية والإطفاء خلال الأسابيع الماضية زاد من حدة الاستياء، حيث تركت هذه الخطوة الكارثية الساحل عرضة للدمار البيئي والاقتصادي.
العلويون، الذين كانوا يشكلون قاعدة دعم رئيسية لنظام الأسد السابق، يشعرون الآن بالتهميش والاستهداف من قبل النظام الجديد ذي التوجه الإسلامي المتشدد.
إضافة إلى ذلك، تتعرض الطائفة العلوية للاضطهاد الممنهج، حيث تم طرد المئات منهم من دمشق ومصادرة ممتلكاتهم، فيما أُقصي العديد من العاملين العلويين في المؤسسات الحكومية، كل هذا يغذي الشعور بالظلم، ويدفع سكان الساحل نحو التفكير في خيارات جذرية، مثل المطالبة بحكم ذاتي في الساحل، الذي يتمتع بأهمية استراتيجية بفضل موانئه وموقعه الجغرافي.
إذا استمرت هذه السياسات، فقد يتحول الساحل إلى معقل مقاومة مسلحة ضد دمشق، مما يعزز مخاطر التفكك الوطني وربما يؤدي إلى ظهور دولة جديدة هناك.
المسيحيون: هامشية متزايدة
المسيحيون، الذين يشكلون حوالي 5% من سكان سوريا، يواجهون أيضاً تهميشاً متزايداً، كما أنهم يتعرضون يوميا لدعوات الدخول في الإسلام من قبل جماعات تابعة للحكومة الجديدة تمارس ما يسمى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن فرض قواعد دينية صارمة في الأماكن العامة، تهدد أسلوب حياتهم وهويتهم الثقافية.
العديد من المسيحيين، الذين فروا من البلاد خلال الحرب الأهلية الأولى، يشعرون الآن بأن عودتهم إلى سوريا مستحيلة في ظل هذه الأجواء المتشددة.
كما أن حرق الكنائس وتفجيرها الذي بدأ بالفعل يؤدي مؤشرا سلبيا للغاية حيث فجر داعش كنيسة في سوريا مؤخرا وتم حرق كنيسة أخرى في السويداء على يد قوات النظام.
أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا عاجلًا خلال الساعات الماضية يطالب بتعزيز حماية المسيحيين والأقليات الأخرى في سوريا.
يدين القرار، وهو نتيجة مباشرة، للتفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في دمشق الشهر الماضي.
قُتل خمسة وعشرون شخصًا في التفجير، الذي يُعتقد أنه من تنفيذ جماعة منشقة عن الإسلاميين المتطرفين، على الرغم من أن مصادر أخرى تزعم تورط عناصر من أجهزة الأمن السورية.
تهيمن هيئة تحرير الشام، وهي فرع إسلامي لتنظيم القاعدة، على سوريا حاليًا، وعلى الرغم من أصولها، حرصت الجماعة على تصوير نفسها على أنها شاملة وغير تهديدية للمسيحيين والأقليات الأخرى.
المعارضة العلمانية غير راضية على دمشق
من جهة أخرى المعارضة العلمانية، التي تضم شرائح واسعة من السوريين الذين يرفضون الأيديولوجية الدينية، تجد نفسها أيضاً في مواجهة مباشرة مع الحكومة، مما يزيد من احتمال تشكيل تحالفات بين الأقليات والعلمانيين ضد النظام.
وتطالب المعارضة العلمانية ببناء نظام ديمقراطي حقيقي قائم على الدولة المدنية والمبادئ الليبرالية، وتبني العلمانية التي تقف على مسافة واحدة من كافة الأديان وبفضلها انتشرت المساجد في أوروبا بعد نهاية الحكم المسيحي المتشدد في القارة العجوز.
إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فإن سوريا قد تشهد تفككاً غير مسبوق. الدروز في السويداء، المدعومون جزئياً بالتدخل الإسرائيلي، قد يعلنون استقلالاً فعلياً عن دمشق، مستفيدين من تنظيمهم العسكري القوي وتضاريس الجبل الوعرة.
الأكراد، الذين يسيطرون على مناطق نفطية وزراعية حيوية في الشمال الشرقي، قد يمضون قدماً في إقامة كيان شبه مستقل بدعم أمريكي مباشر، ربما سيحدث هذا بشكل واضح مع وصول الديمقراطيين إلى الحكم فهم أكثر حرصا على نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط والعالم.
في الساحل، قد يتحول الغضب العلوي إلى حركة انفصالية تهدف إلى حماية المنطقة من سيطرة دمشق، وبينما من المستبعد أن تساعدهم روسيا إلا أنه في قد تدعمهم دولا قريبة مثل قبرص وإسرائيل.
هذا السيناريو ليس مجرد تكهنات، بل مؤشراته واضحة في التحركات العسكرية الأخيرة، من السويداء إلى الرقة إلى الساحل. إن فشل الحكومة في إخماد حرائق الساحل، وقمع الأقليات في دمشق، ورفض الفيدرالية، كلها عوامل تدفع نحو هذا المصير.
إضافة إلى ذلك، التدخلات الخارجية، مثل الغارات الإسرائيلية والدعم الأمريكي للأكراد، قد تعزز هذا الاتجاه، حيث تجد الأقليات في القوى الخارجية داعماً محتملاً لتطلعاتها.
