مصر الفقر الأزمة

لقد كشفت حرب إيران الجارية هشاشة دولة مصر وضعف الاقتصاد المصري وحساسيته للتطورات في الشرق الأوسط والعالم، رغم أنها ليست طرفا في الحرب الإيرانية ولا في الحرب الأوكرانية الروسية التي حولت أوكرانيا إلى قوة عسكرية تبيع أسلحتها لدول الخليج.

إن ما تعاني منه مصر حاليا من انهيار الجنيه وارتفاع الأسعار بصورة سريعة يكشف مقدار الهشاشة الكامنة في بنية الدولة المصرية، ومقدار الوهم الذي باعه إعلامها الرسمي وشبه الرسمي للناس لسنوات عن “الصمود” و”القدرة” و”العبور” و”الجمهورية الجديدة”.

لقد اضطرت الدولة التي كانت تقدم نفسها بوصفها قلعة الاستقرار في إقليم مضطرب، مع اشتداد تداعيات الحرب إلى تقليل الإنارة في الشوارع، وفرض إغلاق مبكر على المحال والمطاعم والمقاهي، وخفض استهلاك الوقود، وإبطاء بعض المشروعات الحكومية، والعمل عن بُعد يومًا أسبوعيًا، فقط لكي تلتقط أنفاسها أمام صدمة لم تصنعها ولم تدخلها.

هذه ليست مجرد إجراءات تقشف ظرفية، بل لحظة اعتراف قاسية بأن الاقتصاد المصري بات يتصدع من رياح الحرب قبل أن تصله شظاياها، ولا عجب أن الرئيس السيسي يبذل كل ما في جهده حاليا لإقناع الأمريكيين بإيقاف الحرب كما طلبت إدارته منهم تمويلا لمواجهة الأزمة الاقتصادية.

إن استمرار الأزمة لفترة أطول قد تجعل مصر أمام السيناريو الأسوأ وهو اعلان الإفلاس، ولكن ليس هذا ما يخيف الحكومة المصرية بالضبط، بل حالة الفوضى التي ستشهدها مصر في حال انهيارها أو استمرار الوضع الاقتصادي الحالي.

لقد قررت الحكومة المصرية إبطاء بعض المشروعات كثيفة استهلاك الديزل شهرين على الأقل، وخفض مخصصات وقود السيارات الحكومية 30 في المائة، فيما فرضت إغلاقًا مبكرًا على الأنشطة التجارية والمحال والمطاعم عند التاسعة مساءً لمدة شهر بهدف تقليص استهلاك الكهرباء والوقود، وسط نقص في المنتجات البترولية وتصاعد كلفة الطاقة بسبب الحرب.

ولا شك أن هذه القرارات سيكون لها تداعيات وخيمة على أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة الذين يعتمدون على ساعات المساء والليل لتحقيق أغلب المبيعات.

وبينما لجأت تركيا إلى بيع مليارات الدولار من الذهب والعملات النقدية لدعم الليرة المتهاوية وهي من الدول المتضررة إلا أنها لم تصل إلى ترشيد الكهرباء والوقود وإغلاق المتاجر وتقييد الحركة اليومية.

الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه قال اليوم إن استمرار الحرب قد يدفع أسعار النفط إلى ما فوق 200 دولار، محذرًا من انعكاسات ذلك على الدول “الهشة ومتوسطة الدخل” ومنها مصر.

المشكلة أن مصر ليست مجرد دولة قلقة من احتمال ارتفاع النفط، بل هي من أكثر الدول المعرضة للضربة إذا ارتفع فعلًا، فهي مستورد صافٍ للطاقة، وتعاني أصلًا من ضغوط على العملة، وتواجه أعباء خدمة دين ضخمة، ويعتمد توازنها الخارجي على السياحة والتحويلات والتمويل الخارجي.

لهذا لا يبدو غريبًا أن تعترف الدولة، عبر قنواتها الرسمية، بحاجتها إلى “دعم اقتصادي وسيولة” لمواجهة التداعيات السلبية للتصعيد الإقليمي، كما جاء في إفادة هيئة الاستعلامات المصرية بعد اتصال وزير الخارجية بنظيره الأمريكي.

ويقال أنها لجأت لطلب المساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية لأن دول الخليج رفضت مساعدتها، خصوصا وأن أبواق السلطة والرأي العام في مصر قد شن هجوما من الشماتة والسخرية على دول الخليج لاستضافتها القواعد الأمريكية منذ بداية الحرب وهو ما أغضب الخليجيين.

وبينما لا تزال هذه الدول صامدة وتدير أزمتها بذكاء رغم تكبدها للخسائر وتعرضها لآلاف الضربات مجتمعة من إيران، إلا أن مصر التي لم تتعرض لأي صاروخ حتى الآن في موقف أسوأ وهذه أبرز فضائح حرب إيران حتى الآن!