
أعلنت السعودية اكتشاف نحو 110 ملايين طن من الخام المحتوي على تركيزات من اليورانيوم وعناصر أرضية نادرة في منطقة المدينة المنورة، في كشف يمنح برنامجها النووي المدني دفعة استراتيجية مهمة، لكنه لا يعني أن المملكة أصبحت تمتلك 110 ملايين طن من اليورانيوم الخالص.
وأعلن وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان الاكتشاف خلال المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، موضحاً أن أعمال الحفر والدراسات الجيولوجية في مشروع جبل صايد أظهرت موارد معدنية ضخمة تحتوي على تركيزات واعدة من اليورانيوم إلى جانب معادن نادرة.
وتكمن أهمية الإعلان في توقيته بقدر أهمية حجمه، إذ يأتي بعد أسابيع من توقيع السعودية والولايات المتحدة اتفاقاً للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، يسمح للمملكة بتطوير دورة وقود نووي محلية ضمن إطار التعاون بين البلدين.
110 ملايين طن لا تعني 110 ملايين طن من اليورانيوم
الرقم المعلن يتعلق بكمية الخام الصخري الموجود في الموقع، وليس بكمية اليورانيوم الموجودة داخله.
بمعنى أبسط، السعودية عثرت على نحو 110 ملايين طن من الصخور والمعادن التي تحتوي على تركيزات من اليورانيوم، لكن نسبة اليورانيوم الفعلية داخل هذا الخام لم تُعلن حتى الآن بصورة تسمح بحساب كمية المعدن القابلة للاستخراج.
وقد تكون النسبة منخفضة جداً أو مرتفعة بما يكفي لجعل التعدين مجدياً اقتصادياً، وهذه هي النقطة التي تحتاج إلى مزيد من الدراسات، لذلك فإن الإعلان يمثل اكتشاف مورد جيولوجي ضخم، لكنه لا يمثل بعد احتياطياً تجارياً مؤكداً بالمعنى الكامل.
ما الخطوة التالية بعد الاكتشاف؟
يجب أولاً تحديد درجة تركيز اليورانيوم في الصخور، ثم تقدير تكلفة استخراجه ومعالجته، ودراسة كمية الخام التي يمكن تعدينها فعلياً.
إذا كان تركيز اليورانيوم منخفضاً جداً أو تكلفة التعدين مرتفعة، فقد يصبح استخراج المعدن غير اقتصادي حتى لو كانت كمية الخام هائلة.
أما إذا أثبتت الدراسات وجود تركيزات مجدية، فقد تتحول منطقة المدينة المنورة إلى أحد المصادر المحلية المهمة لليورانيوم السعودي.
لماذا تريد السعودية اليورانيوم أصلاً؟
السبب الرئيسي هو أن المملكة تريد بناء صناعة نووية محلية متكاملة بدلاً من الاعتماد بالكامل على الخارج.
وتحتاج الطاقة النووية إلى وقود، والوقود النووي يبدأ عادة من خام اليورانيوم الذي يُستخرج من المناجم ثم يُعالَج ويُحوّل قبل أن يدخل مرحلة التخصيب وصناعة الوقود.
وتسعى السعودية منذ سنوات إلى إضافة الطاقة النووية إلى مزيجها الكهربائي بهدف تقليل استهلاك النفط والغاز محلياً، وزيادة كميات الهيدروكربونات المتاحة للتصدير، وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء.
ومن هنا يصبح امتلاك مورد محلي من اليورانيوم ذا قيمة استراتيجية كبيرة، فبدلاً من بناء مفاعلات ثم شراء الوقود بالكامل من الخارج، تستطيع المملكة مستقبلاً تطوير جزء أكبر من سلسلة الإمداد داخل أراضيها.
الاكتشاف قد يمنح السعودية دورة وقود نووي محلية
إذا أثبتت الدراسات أن الخام قابل للاستخراج اقتصادياً، يمكن أن تبدأ سلسلة طويلة تبدأ بالتعدين، ثم معالجة الخام وإنتاج مركزات اليورانيوم، وصولاً في مراحل لاحقة إلى تحويله وتخصيبه وصناعة الوقود النووي.
وهنا تظهر أهمية الاتفاق النووي السعودي الأمريكي الموقع في يوليو 2026، فالاتفاق المعروف باسم «123 Agreement» يضع الإطار القانوني للتعاون النووي المدني بين البلدين ويتيح مشاركة الشركات الأمريكية في البرنامج النووي السعودي. كما ذكرت رويترز أن الاتفاق يسمح للسعودية بتخصيب اليورانيوم ضمن البرنامج المدني.
وهذا تطور بالغ الأهمية فالتخصيب هو الحلقة التي تحول اليورانيوم الخام إلى مادة يمكن استخدامها وقوداً في المفاعلات بعد المرور بمراحل صناعية متعددة.
هل يعني ذلك أن السعودية تستطيع صنع سلاح نووي؟
امتلاك خام اليورانيوم لا يعني امتلاك سلاح نووي، تماماً كما أن امتلاك النفط الخام لا يعني امتلاك صناعة بتروكيماويات متكاملة تلقائياً.
الطريق بين خام اليورانيوم والسلاح النووي طويل ومعقد للغاية، ويشمل عمليات تحويل وتخصيب متقدمة وبنية تحتية وتقنيات حساسة.
كما أن البرنامج السعودي المعلن برنامج مدني، وقد أكد وزير الطاقة في فيينا أن المملكة تعمل بشفافية وتتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
لكن الجدل الدولي يتركز على نقطة مختلفة: قدرة التخصيب نفسها ذات استخدام مزدوج، فالتقنية المستخدمة لإنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب اللازم للمفاعلات يمكن، إذا استُخدمت بمستويات أعلى بكثير، أن تنتج مادة مناسبة للاستخدام العسكري.
ولهذا تثير أي دولة تحصل على حق تخصيب اليورانيوم اهتماماً دولياً إضافياً، حتى لو كان برنامجها معلناً للاستخدام السلمي.
