
هل تكتفي إسرائيل بمراقبة الأحداث الجارية في سوريا، أم أنها تشارك بنشاط في تشكيل هذه التطورات؟ ماذا تفعل الدولة العبرية في المشهد السوري؟
من الأهمية بمكان أن نفهم أن الوضع الحالي في سوريا يجب أن يُنظر إليه من خلال عدسة أحداث السابع من أكتوبر 2023، لأنها تمثل فصلاً واحدًا في سلسلة متواصلة من المواجهات التي تهدف إلى تحدي إيران وإعادة هيكلة المشهد في الشرق الأوسط.
والواقع أن إسرائيل تبدو مندهشة من التقدم السريع للأحداث في سوريا، وخاصة التدهور السريع غير المتوقع للمواقع الدفاعية للجيش السوري.
ومن المؤكد أن إسرائيل تجري خلف الكواليس تقييمات أمنية وعسكرية شاملة، كما عززوا وجودهم على طول الحدود الإسرائيلية السورية، حيث زادوا من التحصينات العسكرية ونقاط التفتيش الأمنية وشبكات الأنفاق تحت الأرض، مما أدى إلى تصاعد الأنشطة المواجهة في المنطقة.
يزعم البعض أن إسرائيل تلعب دوراً أكثر أهمية واستباقية في التطورات الحالية، وخاصة من خلال ما يبدو أنه جهد تعاوني إسرائيلي أميركي تركي، بدلاً من كونها مجرد مراقب مهتم يتعامل مع المخاوف الأمنية، تاريخياً، كانت سوريا باستمرار جبهة عدو حاسمة على مر السنين.
إن علاقة إسرائيل بالقوات الكردية ليست جديدة، وكان تورطها في سوريا منذ الربيع العربي كبيراً، إلى جانب العديد من أصحاب المصلحة الآخرين، إن شبكتها الاستخباراتية داخل سوريا عميقة.
إن نطاق عمليات إسرائيل يمتد إلى ما هو أبعد من قدراتها الإلكترونية والسيبرانية المتطورة، فهي تحافظ على شبكة من الحلفاء الاستراتيجيين الذين يتقاسمون أهدافاً مشتركة في مواجهاتهم المستمرة مع إيران وحزب الله، ويشكلون شبكة معقدة من الشراكات والمصالح المشتركة.
وتقول أميركا إنها تحافظ على مسافة دبلوماسية بينها وبين إيران، ويصرح ترامب صراحة “هذا ليس صراعنا”.
وفي حالة حدوث فراغ سياسي في سوريا، تسعى إسرائيل إلى وضع نفسها كلاعب رئيسي في تشكيل مستقبل المنطقة، ويتوافق هذا النهج بسلاسة مع الضرورات الأمنية الإسرائيلية والمصالح الجيوسياسية الأميركية.
وفي إطار إقامة نظام شرق أوسطي جديد، تبرز عدة أهداف حاسمة، تفكيك موطئ قدم إيران في سوريا ولبنان، ومعالجة نفوذ محور المقاومة، والحد من الدعم لمنظمات مثل حزب الله وحماس وفيلق القدس، مع احترام حق العراق السيادي في الحفاظ على استقلاله عن المفاوضات الإيرانية.
وتتجاوز رؤية إسرائيل المخاوف الأمنية المباشرة، وتهدف إلى صياغة نموذج إقليمي جديد يعزز التطبيع العربي الإسرائيلي في حين يتصدى في الوقت نفسه لنفوذ إيران وحزب الله.
وتؤكد تصريحات نتنياهو بعد 7 أكتوبر بشأن الشرق الأوسط الجديد على هذا الطموح. ومع ذلك، تنشأ أسئلة بالغة الأهمية فيما يتصل بالآثار المترتبة على استبدال النفوذ الإيراني والفصائل التابعة له بمنظمات متطرفة أو جماعات إرهابية محتملة.
وتستكشف إسرائيل ما يسمى بالحلول لمعالجة الشرق الأوسط الجديد، بما في ذلك ترسيم الحدود الإقليمية، وباستحضار أوجه التشابه مع تجربة العراق، تمتد المناقشات الآن إلى الانقسامات الإقليمية المحتملة داخل سوريا بما في ذلك احتمالات قيام دولة كردية، وإمارة إسلامية سنية، وربما ظهور دولة علوية في المناطق التي يتواجد بها العلويين.
وتنظر إسرائيل إلى مثل هذه التطورات بشكل إيجابي، نظرا للسابقة التاريخية المتمثلة في الحفاظ على ترتيبات أمنية مستقرة نسبيا على طول الحدود الإسرائيلية السورية.
منذ عام 2011، أظهرت إسرائيل مشاركة إنسانية مشكوك فيها من خلال تقديم المساعدة الطبية للفصائل الإرهابية المصابة في سوريا، لقد اتسمت هذه العلاقة بالخداع واللاأخلاقية بينما أظهرت في الوقت الحاضر أنها براغماتية!
وأخيرا، فإن هذا النهج التكتيكي يحمل مخاطر شديدة على المنطقة وعلى وجه التحديد، إذا ما انتهجت إسرائيل هذه الاستراتيجية للقضاء على إيران والجماعات التابعة لها في المنطقة من خلال دعم جماعات أكثر تطرفا وإرهابا، فإن هذا من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار الإقليمي.
إن عملية منح الإرهابيين دولتهم الخاصة، وتصديقهم على أنهم طيبون بما يكفي لعدم الطموح في المنطقة، وعدم التوسع حرفيا وتشكيل تهديد للجميع هي في الواقع عملية ساذجة للغاية، والإسرائيليون على الجانب الآخر من الحدود، وليس الأمر مثل الأفغان والولايات المتحدة على سبيل المثال.. إنهم يقولون إنهم يبنون شرق أوسط جديدا لكن وجود دولة إسلامية فيه تؤمن بضرورة إبادة اليهود يعد مؤشرا سلبيا.
لكن نحن على يقين أن من سيتولى الحكم في دمشق إذا قرر “تحرير القدس” سيجلب على نفسه الجيش الإسرائيلي الذي لن يواجه مقاومة عنيفة كي يصل إلى دمشق.
دمرت إسرائيل مخازن الأسلحة الكيماوية وأيضا الأسلحة المتطورة والقواعد العسكرية السورية لأنه لديها تقييما داخليا يشير إلى أن قادة دمشق الجدد لن يتأقلموا في الشرق الأوسط الجديد.
حتى الآن تتجنب المعارضة المسلحة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام مواجهة إسرائيل حيث تركز على إعادة بناء سوريا وفق رؤيتها والأشهر القادمة حبلى بالتطورات.
