
في قلب أجندة “أمريكا أولاً” التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب، يحتل الأمن الطاقي مكانة محورية. وقد نجحت هذه الاستراتيجية، مدعومة بدبلوماسية اتفاقيات إبراهيم، في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتعزيز الشراكات الأمريكية.
لكن اليوم، يواجه هذان العمودان ضغطاً شديداً بسبب الحرب الواسعة مع إيران، التي أحدثت أحد أخطر صدمات الطاقة في العقود الأخيرة.
ارتفع سعر برميل النفط إلى أكثر من 115 دولاراً، وسط مخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في مضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط.
هذه الأزمة ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي، مرفعة أسعار الوقود، ومغذية التضخم، ومهددة بإبطاء النمو في الولايات المتحدة وحلفائها.
واشنطن تلجأ إلى الاحتياطي الاستراتيجي
رداً على الارتفاع الحاد، أفرجت الولايات المتحدة حتى شهر مارس عن نحو 172 مليون برميل من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، ضمن خطة تنسيقية دولية بقيمة 400 مليون برميل مع وكالة الطاقة الدولية.
ورغم أن هذا الإجراء ساعد في كبح الارتفاع الفوري للأسعار، إلا أنه خفض مستوى الاحتياطي الأمريكي إلى حوالي 243 مليون برميل فقط أدنى مستوى منذ بداية الثمانينيات.
بالتوازي، لجأت واشنطن إلى تعديلات حذرة في سياسة العقوبات، حافظت على القيود الأساسية على شركات الطاقة الروسية الكبرى مثل لوك أويل وروزنفت، لكنها منحت إعفاءً مؤقتاً لمدة 30 يوماً لبعض الشحنات الروسية والإيرانية المحاصرة، وتبنت مرونة أكبر تجاه شحنات تشمل كوبا.
هذه الخطوات تعكس واقعية اللحظة، لكنها تبقى إجراءات مؤقتة لا تحل المشكلة الجذرية: نقص الإمدادات العالمية وعدم استقرار سلاسل التوريد.
ليبيا.. الفرصة الاستراتيجية التي تنتظر ترامب
بينما يبحث الرئيس ترامب عن حلول مستدامة، تبرز ليبيا كفرصة استراتيجية واضحة ومتاحة. تمتلك ليبيا أكثر من 48 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة – أكبر احتياطي في أفريقيا – وتنتج نوعية النفط الخفيف الحلو الذي تفضله المصافي الأوروبية.
قبل سنوات الاضطراب التي أعقبت التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وسقوط نظام معمر القذافي عام 2011، كانت ليبيا تنتج نحو 1.6 مليون برميل يومياً. ومع تحقيق استقرار سياسي وجذب استثمارات جديدة، يمكن أن يتجاوز الإنتاج حاجز الـ2 مليون برميل يومياً، مما يوفر مخزناً مهماً يخفف من الاعتماد على إمدادات الخليج.
في سوق الطاقة الحالية، لا يهم حجم الإنتاج الفعلي فقط، بل توقعات السوق أيضاً، مجرد احتمال زيادة الإنتاج الليبي يمكن أن يعيد الثقة، ويقلل التقلبات، ويضغط على أسعار النفط العالمية نحو الانخفاض.
غير أن المشكلة في ليبيا ليست في الجيولوجيا بل في الحوكمة، منذ سقوط القذافي، تعاني البلاد من انقسام سياسي عميق وصراع بين حكومات وميليشيات متنافسة تسيطر على البنية التحتية النفطية، مما أدى إلى تعطيل الإنتاج مراراً وطرد الاستثمارات.
هذا الفشل يمثل اليوم فرصة تاريخية لإدارة ترامب، ينتج عنها تسوية سياسية دائمة في ليبيا والتي ستفتح الباب أمام زيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتوفير مورد موثوق وأقرب جغرافياً لأوروبا، بعيداً عن مخاطر مضيق هرمز.
فوائد أخرى للتعاون الأمريكي الليبي
لا تقتصر الفائدة على الطاقة، إذ أن استقرار ليبيا سيحد من مساحة العمل للتنظيمات المتطرفة مثل داعش والقاعدة، وسيعزز التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة وأوروبا.
كما أنه سيحد من النفوذ المتزايد للصين وروسيا في قطاع الطاقة الأفريقي، إذ أن ليبيا، باحتياطاتها الهائلة وموقعها الاستراتيجي، تمثل جائزة جيوسياسية كبرى.
بالنسبة لترامب، تجمع ليبيا بين الفرصة والإمكانية العملية، فهي ليست خصماً متجذراً مثل إيران، ولا دولة معادية أيديولوجياً مثل فنزويلا، بل هي دولة منقسمة تجمع أطرافها مصلحة مشتركة ألا وهو استعادة إنتاج النفط وتدفق الإيرادات.
في لحظة تاريخية من الاضطراب الناتج عن الصراع مع إيران، ليست ليبيا مجرد تحدٍ خارجي آخر. إنها الحل الاستراتيجي الذي يختبئ أمام الأعين.
المقال بقلم: كريستوفر هارفين، الشريك الإداري لشركة GlobalPoint International للاتصالات الاستراتيجية والشؤون الحكومية في واشنطن، ومستشار سابق لوزير الدفاع. جيمس دورسو، معلق منتظم في السياسة الخارجية والأمن القومي، خدم 20 عاماً في البحرية الأمريكية.
