لن تكون سوريا بعد الأسد دولة ديمقراطية علمانية

سيكون من الصعب أن تنتقل سوريا بعد الأسد من حكم الفرد الواحد المستبد والعائلة الشريفة إلى دولة ديمقراطية حقيقية علمانية تقف على مسافة واحدة من كافة أبناء الشعب السوري.

هذه أحلام اليقظة في الشرق الأوسط للأسف، لطالما أردنا أن تكون هذه الدول علمانية على الأقل وديمقراطية ويتم تداول السلطة فيها بشكل سلمي إلا أن هذه ليست ثقافة شعوب المنطقة.

الديمقراطية والعلمانية والليبرالية هي ابتكارات عصر التنوير الغربي، وهي أسمى ما توصل إليه الفلاسفة والمفكرين السياسيين والاجتماعيين، وقد اقتنعت به الشعوب الأوروبية قبل أن تسقط الدول المستبدة التي تحصل على شرعيتها من الكنيسة الرافضة لتلك الفلسفات.

ولا يختلف الحال في العالم الإسلامي، الديمقراطية كفر بالله واضح في الفكر السلفي، بينما يستغلها الإخوان للوصول إلى الحكم ومن ثم تحويلها إلى حكم الجماعة، وهناك أكثر من 100 حديث نبوي تحرم الثورات والخروج على الحاكم خصوصا إذا كان مسلما.

تاريخ طويل من الثورات الفاشلة

على مر التاريخ الإسلامي تفشل الثورات، فشلت ثورة الإمام الحسين في كربلاء وكذلك ثورة المدينة المنورة وانتصر يزيد بن معاوية الذي لم يتساهل مع الفوضويين وقتل 11 ألف من ثوار المدينة وضرب الكعبة بعد حصاره لثوار مكة.

ثم جاء المؤسس الثاني للدولة الأموية، حافظ القرآن عبد الملك بن مروان، الذي قال للمصحف هذا فراق بيني وبينك، وقضى على ثورة الخوارج وكذلك مصعب بن الزبير في العراق وشقيقه عبد الله بن الزبير الذي صلب في الحرم المكي، بعد أن حاصر مكة ودمر الكعبة للمرة الثانية.

ولم يأتي بشار الأسد بجديد، وهو الذي استعان بحلفائه من الإيرانيين والروس وحزب الله، واستخدم القوة ضد المسلحين المدعومين من قوى إقليمية رافضة لحكمه وسقوطه في النهاية لا يعني انتصارا للديمقراطية.

ولم تنجح ثورة مصر في نقل البلاد إلى الديمقراطية، حيث عاد الجيش واستلم الحكم بقبضة من حديد، وكذلك في الجزائر أسقط الشعب الرئيس الراحل بوتفليقة وجاء إلى الحكم عبد المجيد تبون الذي ترشح كمستقل بينما هو ممثل للجيش الجزائري وتاريخه شاهد على ذلك.

وهذه تونس خسرت ديمقراطيتها عندما فاز الرئيس قيس سعيد الذي أنقذهم من خطر الإخوان وورطهم في ديكتاتورية جديدة على ما يبدو واضحا وجليا.

واليمن وليبيا والعراق ولبنان كلها لم تصل إلى الديمقراطية وهي كلها جمهوريات وليست ملكيات، ورغم أن النظام العراقي الذي وضعته الولايات المتحدة ديمقراطي إلا أن الطائفية قتلته.

هذا ما يجعل المحللين السياسيين والخبراء يشعرون بالحيرة ولديهم مخاوف بعد سقوط الأسد، فقط لأنهم يعرفون أن الإنتقال السياسي لن يكون سهلا ولكن ما هو النظام البديل؟

مشكلة الفكر الإسلامي وحلم الخلافة

يريد الإسلام السياسي السني والشيعي تدمير الأنظمة في العالم العربي والإسلامي، ولكل واحد منهما أسلوبه، مثلا الإخوان المسلمون يدافعون عن الديمقراطية ويريدون استغلالها لاختراق الدولة العميقة والسيطرة على الحكم والأهم الوصول إلى الخلافة الإسلامية التركية.

أما داعش والنصرة السنيين، فهما لا يتبعان فكرا أفضل إذ أن السلفية لا تعترف بالديمقراطية، وهم ينتظرون التمكين لتأسيس الخلافة الراشدة على قواعد الدولة العباسية أو حتى الدولة الإسلامية الأولى التي كانت في شبه الجزيرة العربية، لذا يكفرون الحكومات والجيوش ويفضلون العنف وتجنيد الشباب الذين يؤمنون بالخلافة وتعدد الزوجات والحور العين.

كل الأحزاب الإسلامية السنية تنشد الخلافة، لكن هناك مشروعين، المشروع الإخواني التركي الذي يعتمد على القوة الناعمة، والمشروع السلفي الذي تحاول أكثر من حركة وحزب وتنظيم تحقيقه بالسلاح وبشكل مستقل.

في المقابل هناك الدولة الشيعية الكبرى وهذا مشروع تنظيمات وأحزاب الإسلام السياسي الشيعي، وعاصمة هذه الدولة هي في طهران، وهي تستهدف استعادة الإمبراطورية الفارسية لكن هذه المرة بصبغة شيعية والتي وصلت إلى مصر وشمال أفريقيا.

ستجد أن معظم المسلمين في العالم العربي المتأثرين بهذه المشاريع وهم الأغلبية، لا يعترفون بالحدود ويرددون أنها حدود صنعها الإستعمار ويهاجمون اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الدولة العثمانية.

لا تؤمن الخلافة الإسلامية بالديمقراطية كما أنها تميز بين مواطنيها على أساس الدين، ولا تؤمن بالمساواة والقيم الليبرالية، وبالتالي إذا كان هو بديل نظام بشار الأسد فإن الأمور لن تكون جيدة في سوريا المعروفة بالتنوع الديني والعرقي الكبير فيها.

شيطنة الليبرالية والحريات الفردية

تتعلق الليبرالية بالحرية الشخصية للأفراد، وبالتالي كل فرد لديه الحرية لفعل ما يريد شرط أن لا يضر شخصا آخر، وهناك الدولة التي تشرف على قانون يحمي الأفراد.

تهتم الليبرالية في المقام الأول بحماية الحقوق والحريات الفردية، في المقابل المسلمون لا يحترمون الحريات الفردية إذ يتدخلون في لباس الفرد وعلاقاته سواء مع الآخرين أو حتى مع خالقه.

هذا الإستبداد الذي يمارسه الفرد المسلم في حياته، هو الذي يمارسه الحاكم على الشعب، أليس الحاكم من الشعب؟ إذا من أين سيأتي حاكم ديمقراطي وحاكم ليبرالي إن لم تكن هذه ثقافة سائدة شعبيا.

معظم المقالات العربية والتي ستجدها عند البحث في جوجل أو حتى معظم الكتب العربية حول الليبرالية تشيطن هذه الفلسفة التي كانت أساسية في الثورة الفرنسية.

ما دام يرفض المواطن العربي والمسلم الحريات الفردية ويدعم تدخل الدولة لقمع حقوق غير المؤمنين والمثليين ويؤكد على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يكون هناك مجتمعا ديمقراطيا حقيقيا في المنطقة.

دور الإسلام في منع قيام الديمقراطية

يتعارض الإسلام مع المبادئ الديمقراطية، على سبيل المثال، افترضت شخصيات مثل السيد أبو الأعلى المودودي أن الديمقراطية تتعارض مع المفهوم الإسلامي للسيادة الإلهية، حيث يحل قانون الله محل التشريع البشري.

ويمكن أن يؤدي هذا المنظور إلى دعم نماذج الحكم الاستبدادي التي يُنظر إليها على أنها أكثر انسجامًا مع القيم الإسلامية.

تعد القوانين الوضعية المعمول بها في مختلف الدول العربية مخالفة للشريعة الإسلامية التي تفرض الحكم بما جاء في القرآن.

من جهة أخرى يحرم اهل السنة والجماعة خروج الشعب على الحاكم حتى وإن كان ظالما وذلك لمنع سفك الدماء ولأن طاعة الحاكم من طاعة الله.

ولعبت المسيحية في أوروبا نفس الدور قبل أن تنتشر الفلسفة التنويرية والليبرالية بين عامة الناس وتسقط الملكيات والأنظمة التي كانت تحكم وتستمد شرعيتها من الكنيسة.

والخلاصة أنه ما دام الإسلام هو المرجع الأساسي للحكم في الدول العربية ويؤيده معظم الشعب، لن تقوم قائمة للديمقراطية وستبقى هذه الدول بين الحكم الملكي القائم على البيعة أو الحكم الجمهوري العسكري المستبد.

سوريا بعد الأسد لن تكون ديمقراطية

إذا كان الجولاني براغماتي وتحدث بمنطق العلمانية في مقابلته مع CNN فهذا لا يعني أن هيئة التحرير ستعمل على بناء دولة علمانية.

وإذا كان هو بذاته مقتنعا بالدولة العلمانية الديمقراطية فهو يواجه مزيدا من التكفير من رفاق البارحة، حيث كفرته داعش فعلا في السنوات الماضية فقط لأنه بايع القاعدة.

فما بالك لو أعلن أنه يريد دولة سورية ديمقراطية علمانية وعرض ذلك على جماعته؟ كما أن المعارضة مكونة من فصائل كثيرة ومنها أحزاب إسلامية أخرى متشددة تنادي بالخلافة.

لقد اطلعنا على خطابات قادة هيئة تحرير الشام في أرض الميدان، والتكبير الذي ملأ أرجاء سوريا منذ اسقاط الأسد، إنه دليل واضح على أن سوريا بعد الأسد لن تكون دولة ديمقراطية علمانية حداثية.

الأيام والأسابيع القادمة ستكون صعبة، إذ أن الصراعات على الحكم ستبدأ وستحاول كل جماعة فرض نفسها، ستكون معجزة أن يحدث الإنتقال السياسي بشكل سلس فما بالك أن يكون الإنتقال من دولة استبدادية إلى ديمقراطية.