
عندما تكشف دراسة صادرة عن الأمم المتحدة عام 2013 أن 99.3٪ من النساء المصريات تعرضن لشكل من أشكال التحرش، فإننا لا نكون أمام “ظاهرة اجتماعية”، بل أمام بنية ثقافية كاملة تعيد إنتاج نفسها يوميًا.
هذه النسبة لا تعني أن التحرش منتشر، بل تعني أنه أصبح تجربة شبه حتمية في حياة المرأة المصرية، وعندما نضع إلى جانبها رقمًا آخر صادرًا عن المركز المصري لحقوق المرأة يشير إلى أن 83٪ من النساء تعرضن للتحرش قبل ذلك بسنوات، فإن المسألة تتجاوز الصدمة الإحصائية لتصبح سؤالًا وجوديًا حول طبيعة المجتمع نفسه.
لكن الأكثر إثارة للانتباه ليس الرقم، بل تبريره والدفاع عن هذا السلوك الذكوري المنحط، ففي مجتمع تُظهر فيه البيانات أن ثلاثًا من كل أربع ضحايا كنّ يرتدين ملابس محتشمة، وأن 72٪ منهن محجبات أو منتقبات، لا يزال الخطاب العام يصر على تفسير الظاهرة من زاوية “إغواء المرأة”.
هنا يظهر التناقض الفج بين الواقع الموثق والسردية السائدة، إذا كانت المحتشمة تتحرش، والمحجبة تتحرش، والطفلة تتحرش، فأي تفسير أخلاقي يبقى صالحًا؟
الحقيقة التي يتهرب منها قطاعات واسعة من الرجال في مصر هي أن التحرش ليس مسألة شهوة منفلتة بقدر ما هو تعبير عن سلطة غير متوازنة.
الأدبيات الاجتماعية حول العنف الجنسي تؤكد أن الاعتداءات من هذا النوع ترتبط بعوامل الهيمنة أكثر من ارتباطها بالإثارة الجنسية.
في البيئات التي تُمنح فيها الذكورة قيمة أخلاقية أعلى من الأنوثة، ويُربط شرف العائلة بسلوك المرأة لا بسلوك الرجل، يتحول جسد المرأة إلى مساحة اختبار للهيمنة، والتحرش في هذه الحالة لا يكون نتيجة انحراف فردي، بل انعكاسًا لبنية تسمح به وتبرره وتعيد إنتاجه.
لهذا يصبح تبرير التحرش آلية دفاع جماعية، الاعتراف بأن 99٪ من النساء تعرضن للتحرش يعني الاعتراف بأن الخلل ليس في النساء بل في طريقة تنشئة الرجال. وهذا اعتراف مكلف.
لأنه يفرض مراجعة للمناهج، للخطاب الديني، لثقافة الشارع، وللغة اليومية التي تختزل المرأة في جسد وتختزل الرجل في غريزة، لذلك يُفضَّل قلب المعادلة: بدل مساءلة الذكر، تُسأل الأنثى. بدل مساءلة المعتدي، يُفحص مظهر الضحية.
وعندما يخرج خطيب أو داعية ليقول إن التحرش نتيجة “إغواء”، فهو لا يقدم تفسيرًا دينيًا بقدر ما يقدم غطاءً أخلاقيًا لخلل اجتماعي.
الخطاب هنا لا يحمي القيم، بل يحمي الامتياز، لأنه يُبقي الرجل في موقع الفاعل غير المسؤول، ويضع المرأة في موقع المسؤولية الدائمة عن سلوك الآخرين.
هذا النمط من التفكير ليس خاصًا بالمؤسسة الدينية فقط، بل يمتد إلى الثقافة الشعبية، حيث يمكن لمغنٍ جماهيري أن يبرر واقعة تحرش بناءً على شكل الضحية، فيمنح المتهم صفة “الاحترام” لمجرد مظهره.
المشكلة أعمق من حادثة أو تصريح، إنها تكمن في بنية ذهنية ترى المرأة مصدر فتنة، لا مواطنًا كامل الحقوق، وعندما تتحول قضية تحرش إلى معركة بين الرجال والنساء في الفضاء الرقمي، يصبح الأمر صراعا ايديولوجيا وجنسيا وهكذا يتم تجريد القضية من بعدها القانوني وتحويلها إلى صراع تافه حول السلوك الشخصي.
قانونيًا، جرى تجريم التحرش في مصر منذ 2014، مع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة، لكن معظم الضحايا يفضلن الصمت خوفا من عقاب المجتمع لهن.
هذا لأنه ببساطة المناخ الثقافي في مصر متسامح مع الجريمة، لهذا أصبح تطبيق القانون استثناءً لا قاعدة.
في المجتمعات التي انخفضت فيها نسب التحرش، لم يكن السبب تشديد العقوبات وحده، بل تغير الخطاب العام، وتبدل نظرة المجتمع إلى الضحية والمعتدي.
عندما تصل نسبة التحرش إلى 99.3٪، لا يعود الحديث عن حالات فردية منطقيًا، نحن أمام ثقافة تحتاج مراجعة جذرية.
وتلك المراجعة لن تبدأ ما دام جزء من الخطاب العام يرى في الضحية متهمًا محتملًا، الأرقام لا تكذب، لكنها تُحارَب أحيانًا لأنها تفضح ما لا يريد المجتمع الاعتراف به وهي أن المشكلة ليست فيما ترتديه النساء، بل فيما يُزرع في عقول بعض الرجال منذ الطفولة.
