
لم يكن حديث والي بنك المغرب عن 4.5 مليار دولار مجرد رقم عابر في مؤتمر صحفي تقني، بل إشارة واضحة إلى حجم القلق الذي تثيره قفزات النفط في بلد يستورد الجزء الأكبر من حاجياته الطاقية من الخارج.
ومن المعلوم أن المغرب من أبرز مستوردي هذه المادة الحيوية في أفريقيا وهو ليس منتجا لها، لهذا يركز على الإنتقال الطاقي وتسريع التخلص من الوقود الأحفوري.
الرقم الذي تحدث عنه عبد اللطيف الجواهري لا يعني أن المغرب سيجني أرباحًا من ارتفاع النفط، بل إنه المبلغ الذي يمكن أن يحصل عليه من صندوق النقد الدولي لامتصاص الصدمة.
النفط المرتفع يهدد الاستقرار الاقتصادي المغربي
المغرب ليس من الدول النفطية التي تنتعش خزائنها كلما قفز سعر البرميل، بل هو من الاقتصادات التي تشعر بالاختناق حين ترتفع أسعار الطاقة عالميًا، فكل زيادة كبيرة في سعر النفط تعني أن المملكة ستدفع أكثر مقابل الاستيراد، وأن الضغط سيتضاعف على العملة الصعبة، وعلى الميزان التجاري، وعلى كلفة النقل والإنتاج، وفي النهاية على الأسعار داخل السوق المحلية.
لهذا جاء كلام والي بنك المغرب واضحًا: إذا وصل النفط إلى 120 دولارًا للبرميل، فإن المملكة تستطيع اللجوء فورًا إلى خط ائتماني مرن من صندوق النقد الدولي بقيمة 4.5 مليار دولار.
الفكرة هنا ليست ربحًا مفاجئًا، بل وسادة مالية جاهزة للاستعمال عندما تصبح الصدمة الخارجية أكبر من أن تُدار بالأدوات التقليدية.
ما هو هذا الخط الائتماني بالضبط؟
في أبريل من العام الماضي، وقّع المغرب مع صندوق النقد الدولي اتفاقًا لمدة عامين ضمن آلية خط الائتمان المرن بقيمة تعادل 4.5 مليار دولار. هذه الآلية ليست قرضًا عاديًا بالمعنى المتداول، بل أداة احترازية توضع رهن إشارة الدول التي تملك سجلًا جيدًا في إدارة اقتصادها الكلي، حتى تتمكن من السحب السريع إذا تعرضت لصدمة خارجية قوية.
وهذا بالضبط ما يفسر أهمية الرقم. فالمغرب لا ينتظر أزمة حتى يبدأ البحث عن التمويل، بل أمّن مسبقًا بابًا يمكن فتحه بسرعة إذا انفجرت كلفة الطاقة أو تدهورت الظروف الدولية أو تعرضت الحسابات الخارجية لضغط حاد.
الجواهري ذكّر أيضًا بأن المغرب سبق أن استخدم آلية مشابهة في 2020 خلال أزمة كورونا، عندما حصل على تمويل بقيمة 3 مليارات دولار، وهذا يعني أن الحديث اليوم ليس عن احتمال نظري بالكامل، بل عن أداة سبق اختبارها في ظرف عالمي استثنائي.
لماذا يصبح النفط خطرًا عندما يقترب من 120 دولارًا؟
حين يدور سعر البرميل حول 100 دولار، كما أوضح والي بنك المغرب، تبقى الأمور تحت السيطرة نسبيًا، خصوصًا في ظل احتياطات من العملة الصعبة تغطي نحو ستة أشهر من الواردات، وهو مستوى وصفه بالمريح، لكن الانتقال من 100 إلى 120 دولارًا ليس مجرد ارتفاع بسيط في الأسعار، بل قفزة قد تغيّر الحسابات بسرعة.
السبب أن فاتورة الطاقة ترتفع مباشرة، بينما لا ترتفع معها مداخيل المغرب بالوتيرة نفسها، والنتيجة هي ضغط أكبر على الاحتياطات، وعلى العجز الخارجي، وعلى استقرار الأسعار.
وفي اقتصاد مثل المغرب، الذي يسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على التوازن المالي، وجذب الاستثمار، وضبط التضخم، فإن أي صدمة نفطية طويلة تتحول إلى اختبار بالغ الحساسية.
حرب إيران أعادت الخطر إلى الواجهة
ما قاله الجواهري لم يأت في فراغ. المنطقة تعيش منذ أواخر فبراير 2026 على وقع تصعيد عسكري واسع بين إيران من جهة، والتحالف الأميركي الإسرائيلي من جهة أخرى، وهو تصعيد يهدد بإرباك أسواق الطاقة ورفع أسعار النفط والغاز والنقل البحري والتأمين.
ولهذا قرر بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة عند 2.25% للمرة الرابعة على التوالي، مع الإقرار بأن حرب إيران “لن تكون دون عواقب”، خصوصًا عبر قنوات الحسابات الخارجية وأسعار الطاقة.
هذا التعبير مهم جدًا، لأنه يكشف أن الخطر الأكبر الذي يراه البنك المركزي لا يتعلق فقط بالتضخم الداخلي، بل أيضًا بقدرة المغرب على تحمل الصدمة الخارجية إذا طال أمد النزاع أو اتسعت رقعته.
هل المغرب في وضع مقلق الآن؟
حتى الآن، الرسالة الرسمية هي أن المغرب ليس مضطرًا حاليًا إلى استعمال هذا التمويل، احتياطات العملة الصعبة ما تزال عند مستوى مريح، والبنك المركزي لا يرى أن اللجوء إلى الخط الائتماني مطروح في الوقت الراهن.
لكن مجرد الحديث عنه علنًا يكشف أن السلطات تراقب الوضع عن قرب، وتتعامل مع احتمال الصدمة النفطية كخطر حقيقي لا كفرضية بعيدة.
الجواهري أشار أيضًا إلى أن المغرب راكم خلال الخمسة عشر عامًا الماضية خبرة معتبرة في التعامل مع الصدمات الخارجية، وأن هناك خلية مشتركة بين بنك المغرب ووزارة الاقتصاد والمالية لمتابعة التطورات وتقييم المخاطر.
