
يشعر الكثير من الخليجيين بالغضب من تعاطف الرأي العام في مصر مع إيران ما أشعل حربا رقمية عبر الشبكات الإجتماعية فسرها المصريين على أنها بسبب رفض بلادهم التورط في هذه الحرب.
وبين بيانات التضامن المصري مع الخليج والتعاطف الشعبي مع إيران تتجلى حقيقة مفادها أن مصر حتى وإن أرادت بشعبها وقيادتها الدفاع عسكريا عن دول الخليج فإن وضعها الإقتصادي لا يسمح بذلك.
أقصى ما تستطيع القاهرة تقديمه، في المدى المنظور، هو الدعم السياسي، والبيانات الدبلوماسية، والتنسيق الأمني المحدود، وربما بعض أشكال الإسناد غير المباشر، أما إرسال قوات إلى حرب مكلفة ومفتوحة، فذلك ترف لا تملكه دولة ترزح تحت جبل من الديون والفوائد والعجز الخارجي.
مطلوب من مصر أن تسدد هذا العام 27 مليار دولار من خدمة الدين الخارجي، وهو رقم يضعها في صدارة الدول الإفريقية من حيث استحقاقات السداد هذا العام، وفق تقديرات ستاندرد آند بورز التي نقلتها رويترز.
وفي الوقت نفسه، تدور التقديرات حول دين خارجي إجمالي يقارب 40% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تشير قراءات أخرى إلى أنه تجاوز 161 مليار دولار بنهاية منتصف 2025، مع استمرار حساسية الوضع التمويلي للاعتماد على الاقتراض والتدفقات الخارجية، هذا ليس اقتصادًا يصنع قرارات حرب، بل اقتصاد يقاتل أصلًا كي يؤجل أزمته التالية.
أما داخليًا، فالصورة أكثر فظاعة مما يظهر في البيانات العامة، إذ تؤكد تقديرات الموازنة الجارية إلى عجز مالي يبلغ نحو 1.4 تريليون جنيه، فيما تتجاوز مدفوعات الفوائد 2.3 تريليون جنيه، أي أكثر من نصف الإنفاق الحكومي تقريبًا.
هذه الأرقام ليست تقنية، بل سياسية بامتياز؛ لأنها تعني أن الدولة المصرية تنفق على خدمة الديون أكثر مما تنفق على بناء قدرتها على المناورة.
الدولة التي يبتلع فيها بند الفوائد هذا الحجم من الموازنة ليست دولة مستعدة لتحمل كلفة حرب طويلة، بل دولة تحاول بصعوبة أن تمنع المال العام من الانهيار الكامل تحت سطوة الدائنين.
وحتى التقارير المستقلة التي راجعت موازنة 2025/2026 وصفت مصر بأنها “في قبضة الدين”، لأن عبء الفوائد صار يفوق العجز نفسه ويضغط على كل أولويات الدولة الأخرى.
ومن يظن أن الاحتياطيات الأجنبية تمنح القاهرة هامشًا واسعًا للمغامرة العسكرية يقرأ الأرقام من زاوية خاطئة، صحيح أنه ارتفع الاحتياطي الرسمي إلى نحو 53 مليار دولار، وهو ما يغطي قرابة خمسة أشهر من الواردات، كما تحسنت صافي الأصول الأجنبية في الجهاز المصرفي، لكن هذه الأرقام لا تعني أن الدولة صارت غنية أو حرة الحركة، فهي تمثل في جزء معتبر منها وسادة وقاية في وجه سوق خارجية شديدة التقلب، لا خزنة فائضة لتمويل حرب.
والاقتصاد المصري لا يزال حساسًا بشدة لثلاثة متغيرات: أسعار النفط، وإيرادات السياحة، وتحويلات العاملين في الخارج، أي صدمة متزامنة في هذه المتغيرات كفيلة بإعادة العجز الخارجي إلى الاتساع بسرعة.
هذا بالضبط ما حذرت منه تحليلات حديثة، أشارت إلى أن ارتفاع أسعار النفط وتراجع السياحة في أجواء التوتر الجيوسياسي يضربان ميزان المدفوعات المصري من جهتين معًا.
وقد أظهرت تحليلات منشورة مؤخرًا أن افتراض صعود متوسط سعر النفط من 75 دولارًا إلى نحو 108 دولارات للبرميل يمكن أن يفاقم وضع الحساب الجاري المصري بنحو 8 مليارات دولار تقريبًا، على قاعدة أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر النفط ترفع فاتورة الواردات وتضغط على الميزان الخارجي بنحو 2.5 مليار دولار.
معنى ذلك أن الحرب التي يطالب بعضهم بأن تخوضها مصر دفاعًا عن الخليج ستبدأ أولًا بخنق الاقتصاد المصري نفسه قبل أن تصل إلى أي جبهة.
ثم إن الحرب ليست فقط تكلفة وقود وذخيرة وتحريك قطع عسكرية، فالحرب الإقليمية الواسعة تعني أيضًا خروج استثمارات أجنبية ساخنة، وارتفاع كلفة التأمين، واضطراب الملاحة، وتراجع السياحة، وقلقًا على التحويلات، وضغطًا على العملة.
وقد نقلت رويترز بالفعل أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران تضع الاقتصاد المصري تحت ضغط إضافي عبر ارتفاع تكاليف الطاقة، وتعطيل بعض الصادرات، ودفع مستثمرين أجانب إلى بيع أدوات الدين المصرية، أي أن القاهرة تدفع جزءًا من فاتورة الحرب حتى وهي لم تدخلها رسميًا بعد، فكيف إذا تحولت من متفرج قلق إلى طرف مباشر؟
من الأكيد أن مصر لا تملك من الأصل حرية الاختيار بين خوض الحرب والامتناع عنها، فالوضع الإقتصادي يجعلها في أزمة اقتصادية ومالية لا تحسد عليها ويجعلها تتجنب في أي حرب عسكرية.
وحتى لو افترضنا أن لدى القاهرة الإرادة السياسية الكاملة، فإن القدرة الاقتصادية هي التي تضع السقف، فالحرب الحديثة ليست بطولة خطابية، بل شبكة طويلة من التمويل والإمداد والاحتياطات وسعر الصرف والاستيراد والديون وكلفة التأمين، ومصر اليوم ليست في وضع يسمح لها بتحويل هذه الشبكة إلى مغامرة مفتوحة.
