
بعد سنوات من محاولة التخلص من اعتمادها على الغاز الروسي، تواجه أوروبا مفارقة اقتصادية وجيوسياسية جديدة، إذ أصبحت الولايات المتحدة المورد المهيمن على وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، بعدما نجحت واشنطن في مضاعفة صادراتها إلى القارة الأوروبية بأكثر من ثلاث مرات خلال أربع سنوات فقط.
وتشير تقديرات معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي (IEEFA) إلى أن الغاز الأمريكي قد يستحوذ على نحو ثلثي واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2026، مع احتمال ارتفاع حصته إلى 80% بحلول عام 2028، في تحول كبير يعكس إعادة رسم خريطة الطاقة الأوروبية منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي الوقت نفسه، تواجه ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، تحديات جديدة مع اقتراب فصل الشتاء، بعدما تراجعت مستويات مخزوناتها من الغاز إلى نحو 61% مطلع نوفمبر 2026، وهو مستوى يقل عن الأهداف التنظيمية ويثير المخاوف من ارتفاع الأسعار في حال تعرض الإمدادات لأي اضطراب جديد.
وتكشف هذه التطورات أن إنهاء الاعتماد على الغاز الروسي لم يكن نهاية أزمة أمن الطاقة الأوروبي، بل بداية مرحلة جديدة من المنافسة على الإمدادات المستوردة.
كيف تخلصت أوروبا من الغاز الروسي؟
على مدار نحو خمسة عقود، اعتمدت الدول الأوروبية على خطوط الأنابيب التي تنقل الغاز الطبيعي من الاتحاد السوفيتي، ثم روسيا، عبر الأراضي الأوكرانية وغيرها من المسارات، ما جعل موسكو أحد أهم موردي الطاقة للقارة.
واستمرت هذه العلاقة التجارية حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، رغم الخلافات السياسية المتكررة بين روسيا والدول الغربية.
لكن أزمات الغاز التي شهدتها أوروبا في عامي 2006 و2009، عندما تعطلت الإمدادات بسبب النزاعات بين موسكو وكييف، كشفت مخاطر الاعتماد الكبير على مصدر واحد للطاقة.
وفي يوليو 2018، انتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السياسة الألمانية خلال قمة لحلف شمال الأطلسي في بروكسل، معتبرًا أن ألمانيا أصبحت أسيرة لروسيا بسبب اعتمادها الواسع على الغاز الروسي.
وبلغت حصة روسيا نحو 45% من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز عام 2021، قبل أن تتغير المعادلة بصورة جذرية عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022.
وأدت الحرب، وتخفيض روسيا إمداداتها، والتوترات المرتبطة بالعقوبات، ثم تعرض خطوط نورد ستريم للتفجير في سبتمبر 2022، إلى تسريع التحول الأوروبي نحو مصادر بديلة.
وفي الأول من يناير 2025، توقفت عمليات نقل الغاز الروسي عبر أوكرانيا بعد انتهاء اتفاق العبور بين كييف وغازبروم، لتنتهي بذلك إحدى أهم قنوات تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا.
وبحلول نهاية عام 2025، انخفضت حصة روسيا إلى نحو 12% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، مقارنة بنحو 45% قبل الحرب.
أمريكا تصبح المورد المهيمن على الغاز المسال في أوروبا
كانت الولايات المتحدة المستفيد التجاري الأبرز من التحول الأوروبي، إذ شهدت صادراتها من الغاز الطبيعي المسال إلى القارة ارتفاعًا كبيرًا مع تراجع تدفقات الغاز الروسي عبر الأنابيب.
ووفقًا لبيانات معهد IEEFA، ارتفعت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي من 29.8 مليار متر مكعب عام 2021 إلى 99.5 مليار متر مكعب في 2025، بزيادة تتجاوز ثلاثة أضعاف.
واستحوذت الولايات المتحدة على نحو 58% من واردات الغاز المسال الأوروبية خلال عام 2025، لترتفع حصتها إلى 63% خلال الربع الأول من 2026.
ويتوقع المعهد أن تبلغ هذه الحصة نحو 67% بنهاية العام، مع احتمال وصولها إلى 80% خلال عامي 2028 أو 2029 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وهنا يظهر تحول مهم في طبيعة اعتماد أوروبا على الطاقة، إذ انتقلت من استيراد كميات ضخمة من الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب إلى الاعتماد المتزايد على شحنات الغاز الأمريكي المنقولة بحرًا.
لكن هذه النسب تخص الغاز الطبيعي المسال، وليس جميع واردات الغاز الأوروبية، إذ تظل النرويج والجزائر ودول أخرى موردين مهمين للغاز عبر الأنابيب.
وفي عام 2025، شكلت النرويج نحو 31% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، مقابل 26% للولايات المتحدة، بحسب المفوضية الأوروبية.
أوروبا لا تزال تدفع مليارات اليورو لروسيا
رغم إعلان الدول الأوروبية عزمها التخلص من الوقود الأحفوري الروسي، فإن واردات الغاز من موسكو لم تتوقف بالكامل.
وكشف معهد IEEFA أن دول الاتحاد الأوروبي دفعت خلال عام 2025 نحو 6.7 مليار يورو مقابل الغاز الطبيعي المسال الروسي، بالإضافة إلى 5.9 مليار يورو مقابل الغاز المنقول عبر الأنابيب.
ويعني ذلك أن قيمة المشتريات الأوروبية من الغاز الروسي بلغت نحو 12.6 مليار يورو خلال عام واحد، رغم التراجع الكبير في الاعتماد عليه.
والأكثر لفتًا للانتباه أن واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي المسال سجلت مستوى قياسيًا فصليًا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، بزيادة بلغت 16% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وتتركز هذه الواردات في دول مثل فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، التي تمتلك بنية تحتية لاستقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال.
وفي 26 يناير 2026، اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي تشريعًا جديدًا يقضي بالتخلص التدريجي من واردات الغاز الروسي، مع تطبيق الحظر الكامل على الغاز الطبيعي المسال اعتبارًا من بداية 2027، وعلى الغاز المنقول عبر الأنابيب خلال خريف العام نفسه.
ويمنح التشريع عقود التوريد القائمة فترات انتقالية محددة، بهدف تجنب اضطرابات حادة في الأسواق وضمان استمرار الإمدادات.
ألمانيا تدخل الشتاء بمخزونات غاز مقلقة
تزامن التحول في مصادر الغاز الأوروبية مع تحديات متزايدة بشأن مستويات التخزين والاستعداد لفصل الشتاء.
ففي الأول من نوفمبر 2026، بلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز الألمانية نحو 61%، وهو أدنى مستوى مسجل في بداية نوفمبر خلال السنوات الأخيرة، بحسب بيانات منصة AGSI الأوروبية.
وتقل هذه النسبة عن المستوى المستهدف على الصعيد الوطني، الذي يبلغ نحو 70%، مع وجود متطلبات تنظيمية تصل إلى 80% لمعظم مواقع التخزين، واستثناءات تسمح لبعض المنشآت بمستويات أقل.
وأعرب اتحاد شركات تخزين الغاز الألمانية عن قلقه من عدم بلوغ الأهداف المحددة، داعيًا الحكومة إلى تحسين آليات ضمان توفر احتياطيات كافية خلال الأشهر الباردة.
لكن وزارة الاقتصاد الألمانية والوكالة الاتحادية للشبكات أكدتا أن الإمدادات لا تزال مؤمنة، وأن انخفاض المخزونات لا يعني بالضرورة حدوث نقص في الغاز، نظرًا إلى استمرار الواردات والإجراءات الأخرى المتخذة لحماية السوق.
وتزداد حساسية هذه التطورات مع ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية خلال أكتوبر، واستمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط التي أثرت على حركة شحنات الغاز الطبيعي المسال.
هل استبدلت أوروبا التبعية لروسيا بالتبعية لأمريكا؟
يرى معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي أن الاعتماد المتزايد على الغاز المسال الأمريكي يخلق مخاطر جديدة لأمن الطاقة الأوروبي، حتى وإن ساهم في تقليص النفوذ الروسي.
وحذرت المحللة آنا ماريا يالر ماكاريفيتش من أن الغاز الطبيعي المسال أصبح نقطة ضعف رئيسية في استراتيجية أمن الطاقة الأوروبية، بسبب التعرض لتقلبات الأسعار واضطرابات الإمدادات العالمية.
فالغاز الأمريكي يصل إلى أوروبا بواسطة ناقلات بحرية، وتخضع أسعاره للمنافسة بين المشترين في الأسواق الدولية، خصوصًا في آسيا، بينما تعتمد استمرارية الإمدادات على قدرات الإنتاج والتسييل والنقل.
كما أن ارتفاع حصة مورد واحد قد يمنحه نفوذًا تجاريًا أكبر، حتى لو كانت العلاقة السياسية بينه وبين الدول المستوردة أكثر استقرارًا من علاقة أوروبا بروسيا.
ومع ذلك، تختلف طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة عن الاعتماد السابق على روسيا، لأن الغاز الطبيعي المسال يمنح المشترين مرونة أكبر في تنويع المصادر وتحويل الشحنات مقارنة بخطوط الأنابيب الثابتة.
ولا تعني زيادة الواردات الأمريكية أيضًا أن واشنطن تستطيع التحكم بصورة مباشرة في جميع الإمدادات، إذ تعمل شركات متعددة في السوق وفق عقود تجارية وشروط مختلفة.
كيف يمكن لأوروبا تحقيق استقلال حقيقي في الطاقة؟
توضح تجربة السنوات الأخيرة أن تنويع موردي الغاز يمكن أن يقلل المخاطر المرتبطة بدولة واحدة، لكنه لا ينهي اعتماد الاقتصادات الأوروبية على الطاقة المستوردة.
ولهذا تسعى المفوضية الأوروبية إلى تسريع التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة المباني والصناعة، وتوسيع استخدام المضخات الحرارية والكهرباء بدل الغاز في بعض التطبيقات.
ويتوقع معهد IEEFA انخفاض استهلاك أوروبا من الغاز بنحو 14% بين عامي 2025 و2030، مع تراجع الطلب على الغاز الطبيعي المسال بنحو 23% خلال الفترة نفسها.
ومن شأن تحقق هذه التوقعات أن يقلل حاجة الدول الأوروبية إلى استيراد كميات ضخمة من الغاز، سواء من روسيا أو الولايات المتحدة أو غيرهما.
لكن تحقيق هذا التحول يتطلب استثمارات كبيرة في شبكات الكهرباء والتخزين والبنية التحتية للطاقة، إلى جانب ضمان استقرار الإمدادات خلال المرحلة الانتقالية.
وبعد أربع سنوات من بداية أزمة الطاقة التي غيرت العلاقة بين موسكو وبروكسل، تبدو أوروبا أكثر استقلالًا عن الغاز الروسي، لكنها لم تحقق بعد استقلالًا فعليًا عن واردات الغاز الخارجية.
والتحدي الأكبر بالنسبة للاتحاد الأوروبي لم يعد مجرد تحديد الدولة التي يشتري منها الغاز، بل تقليل حاجته إليه أصلًا، حتى لا تتحول أزمة الاعتماد على روسيا إلى شكل جديد من التبعية الطاقية لمورد آخر.
