
وجهت الكاتبة الفرنسية فرانس كول رسالة مفتوحة شديدة اللهجة إلى وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، انتقدت فيها أداء الشرطة خلال أعمال العنف والنهب التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر، قبل أن تقترح حلاً أثار الانتباه: إرسال عناصر الشرطة الفرنسية إلى المغرب للاستفادة من خبرة أجهزته الأمنية.
وجاءت الرسالة، المنشورة على منصة X يوم 23 أكتوبر 2026، في وقت تواجه فيه الحكومة الفرنسية انتقادات بشأن قدرتها على توقع حجم الاحتجاجات وحماية المتاجر والمباني العامة، بينما تستعد البلاد لجولة جديدة من المظاهرات وسط تعزيز واسع للانتشار الأمني.
«الشرطة غارقة في التدخلات»
استندت كول في انتقاداتها إلى حالة تاجر في باريس قالت إن متجره تعرض للنهب خلال الاضطرابات، وعندما اتصل بالشرطة طلبًا للمساعدة قيل له، بحسب الرواية التي نقلتها، إن الأجهزة الأمنية غارقة في التدخلات وغير قادرة على الحضور في ذلك الوقت.
واستخدمت الكاتبة هذه الواقعة لتوجيه انتقاد مباشر إلى وزارة الداخلية، معتبرة أن إعلان الحزم لا يكفي إذا بقي المواطن أو صاحب المتجر وحيدًا عندما تقع أعمال النهب فعلًا.
ولم تتحول شهادتها إلى تقييم رسمي لأداء الشرطة الفرنسية، لكنها قدمتها بوصفها مثالًا على ما تعتبره فشلًا في الاستعداد والانتشار والقدرة على التدخل السريع.
نونيز عرض استقالته بعد أعمال العنف
ازدادت حدة الجدل بعد أن اعترف وزير الداخلية لوران نونيز بوجود قصور في تقدير حجم التعبئة وتوزيع القوات خلال احتجاجات 17 أكتوبر.
وبحسب تقارير فرنسية، أكد نونيز أنه قدم استقالته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون بعد الأحداث، إلا أن الرئيس رفضها، بينما أقر الوزير بأن بعض المناطق شهدت فقدانًا للسيطرة أكبر مما كان متوقعًا.
وكانت السلطات تتوقع مشاركة أكثر قليلًا من 200 ألف شخص، قبل أن يصل العدد المعلن من جانب السلطات إلى نحو 550 ألف متظاهر، وهو فارق ضخم ضغط على الجهاز الأمني المنتشر في عدة مدن في الوقت نفسه.
كول: تعلموا من المغرب
بدل الاكتفاء بانتقاد الحكومة الفرنسية، خصصت فرانس كول جزءًا مهمًا من رسالتها للإشادة بالأجهزة الأمنية المغربية.
وطالبت نونيز صراحة بإرسال الشرطة الفرنسية «على وجه السرعة» للتكوين في المغرب، معتبرة أن الأجهزة المغربية تمتلك مستوى مرتفعًا من المهنية والخبرة العملياتية، إلى جانب الاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة والخبرة في مكافحة الإرهاب والجريمة.
وبحسب وصفها، يمثل النموذج المغربي مرجعًا يمكن لفرنسا أن تستفيد منه في الوقاية من العنف وإدارة الأزمات والتنسيق بين الأجهزة، وهو تقييم شخصي شديد الإيجابية من الكاتبة وليس تصنيفًا رسميًا مقارنًا بين الجهازين.
أولمبياد باريس 2024 حاضر في المقارنة
استحضرت كول التعاون الأمني المغربي الفرنسي خلال دورة الألعاب الأولمبية في باريس 2024 باعتباره دليلًا على أن باريس سبق أن استعانت بخبرات مغربية في ملف حساس.
وتؤكد التقارير أن المغرب كان من بين الدول الشريكة التي قدمت دعمًا أمنيًا لفرنسا خلال الألعاب، بما شمل عناصر وخبرات مرتبطة بالأمن وتبادل المعلومات والوقاية من التهديدات.
لكن من المهم الإشارة إلى أن تأمين الأولمبياد كان جزءًا من منظومة دولية واسعة شاركت فيها عدة دول، وليس عملية اعتمدت على المغرب وحده.
لماذا تشيد فرانس كول بالمغرب؟
موقف الكاتبة لا يأتي من فراغ، فهي معروفة باهتمامها بالمغرب وسبق أن ألفت كتبًا عنه، من بينها «Le Maroc du Roi Mohammed VI» الصادر في 2025 و«!Maroc, mon amour» المنشور في 2026.
ولهذا فإن نظرتها الإيجابية إلى المؤسسات المغربية ليست جديدة، وهو سياق مهم عند قراءة رسالتها الحالية، لأنها تنطلق من إعجاب معلن بالمغرب وليس من تقييم محايد صادر عن مؤسسة بحثية أو أمنية مستقلة.
مع ذلك، فإن رسالتها أعادت إلى الواجهة حقيقة وجود تعاون أمني فعلي بين الرباط وباريس، خصوصًا في مجالات مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات والمعلومات.
إذا كنتم تحبون فرنسا.. أرسلوا الشرطة إلى المغرب
وصلت الرسالة إلى ذروتها عندما خاطبت وزير الداخلية الفرنسي بلغة مباشرة، معتبرة أن على فرنسا أن تتخلى عن الاعتبارات المرتبطة بالكبرياء وأن تستفيد من تجارب الدول التي أثبتت، من وجهة نظرها، نجاحًا أكبر في حفظ الأمن.
ودعت إلى إرسال عناصر الشرطة الفرنسية للتدرب في المغرب بصورة عاجلة، في اقتراح يعكس حجم غضبها من أحداث 17 أكتوبر أكثر مما يمثل سياسة مطروحة رسميًا بين الحكومتين.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات على أن الحكومة الفرنسية تدرس تنفيذ اقتراحها، لكنه نجح في جذب الانتباه لأنه قلب الصورة التقليدية للعلاقة بين البلدين: بدل أن تقدم فرنسا التدريب والخبرة إلى الجنوب، تقترح كاتبة فرنسية أن يذهب رجال أمنها إلى المغرب للتعلم.
انتقاد فرنسي يتحول إلى إشادة بالأمن المغربي
القصة في جوهرها ليست إعلانًا رسميًا عن تفوق نموذج أمني على آخر، بل موقف شخصي لكاتبة فرنسية غاضبة من أداء سلطات بلدها.
لكنها تكتسب أهميتها من السياق: احتجاجات واسعة، اعتراف حكومي بقصور في التقدير، واستعداد لنشر نحو 70 ألف شرطي ودركي في يوم تعبئة جديد، بالتوازي مع نقاش متزايد حول قدرة فرنسا على إدارة أعمال الشغب وحماية الممتلكات.
وفي وسط هذا النقاش، وضعت فرانس كول المغرب في موقع المثال الذي ينبغي الاقتباس منه، مطالبة باريس بأن تتعلم من الرباط بدل الاكتفاء بالحديث عن استعادة النظام.
