
عندما تُذكر فضيحة إيران كونترا، أو ما عُرف أيضًا في بعض التغطيات باسم إيران غيت، فإن الحديث لا يدور فقط عن واحدة من أشهر فضائح السياسة الخارجية الأمريكية في القرن العشرين، بل عن نموذج كامل لكيف يمكن للسلطة أن تعمل خارج القانون، وأن تخفي عن الرأي العام والكونغرس معًا شبكة معقدة من الصفقات السرية، والمناورات الاستخباراتية، والحروب بالوكالة.
هذه القضية التي انفجرت في النصف الثاني من الثمانينيات خلال عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، ونائبه آنذاك جورج بوش الأب، لم تكن مجرد “خطأ إداري” أو “تجاوز محدود”، بل فضيحة كشفت أن واشنطن كانت تبيع الأسلحة سرًا إلى إيران الخميني رغم الحظر المفروض عليها، ثم تعيد توجيه جزء من الأموال لدعم متمردي الكونترا في نيكاراغوا، في التفاف مباشر على قرار الكونغرس الأمريكي الذي كان يمنع تمويلهم.
ولهذا السبب، بقيت فضيحة إيران كونترا حتى اليوم مرجعًا سياسيًا وإعلاميًا كلما أراد أحدهم الحديث عن دولة تقول شيئًا في العلن وتفعل نقيضه في الخفاء.
كيف بدأت فضيحة إيران كونترا؟
لفهم القضية، يجب العودة إلى مناخ الحرب الباردة في الثمانينيات. كانت الولايات المتحدة تنظر إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها ساحة أساسية للصراع مع المعسكر السوفييتي. وفي نيكاراغوا، وصلت إلى الحكم حكومة يسارية هي حكومة الساندينيستا، ما أثار قلق إدارة ريغان التي اعتبرت أن بقاء هذا النظام يشكل تهديدًا للمصالح الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، كانت إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979 تُعامل في الخطاب الأمريكي كدولة معادية، خصوصًا بعد أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، ومع ذلك، وجدت إدارة ريغان نفسها في لحظة معينة تتعامل سرًا مع هذا الخصم نفسه، عبر صفقات سلاح غير معلنة.
الذريعة المعلنة داخل بعض دوائر الإدارة كانت تتعلق بمحاولة تحرير رهائن أمريكيين في لبنان، كانوا محتجزين لدى جماعات مرتبطة بإيران أو تدور في فلكها.
لكن ما تكشف لاحقًا كان أكبر بكثير من مجرد “دبلوماسية رهائن”، إذ تبين أن العملية تحولت إلى قناة مالية سرية لتمويل حرب أخرى، هي حرب الكونترا ضد حكومة نيكاراغوا.
بيع السلاح الأمريكي لإيران رغم الحظر
الجزء الأكثر صدمة في فضيحة إيران كونترا كان أن إدارة ريغان وافقت عمليًا على تمرير أسلحة إلى إيران، رغم أن ذلك كان يتناقض مع الحظر الأمريكي ومع الخطاب السياسي العنيف الذي كان يقدّم طهران كعدو استراتيجي.
الولايات المتحدة التي كانت تندد علنًا بالنظام الإيراني، كانت في الكواليس مستعدة لفتح قنوات معه عندما رأت في ذلك مصلحة تكتيكية.
وهذا ما أعطى الفضيحة وزنها الأخلاقي والسياسي، لأن الأمر لم يكن مجرد خرق قانوني، بل كشف حجم النفاق الذي يمكن أن تمارسه الدول الكبرى حين تتحدث عن المبادئ في الإعلام، ثم تتخلى عنها في الغرف المغلقة.
من هم “الكونترا” ولماذا كان تمويلهم مشكلة؟
الكونترا كانوا جماعات متمردة تقاتل حكومة نيكاراغوا اليسارية، وقد كانت إدارة ريغان مقتنعة بأن دعمهم ضرورة استراتيجية لمواجهة النفوذ اليساري في أمريكا الوسطى.
لكن المشكلة أن الكونغرس الأمريكي كان قد وضع قيودًا واضحة تمنع تمويل هؤلاء المتمردين، لأن كثيرًا من النواب كانوا يرفضون جر الولايات المتحدة إلى حرب قذرة جديدة في المنطقة.
وهنا تحديدًا نشأ جوهر فضيحة إيران كونترا، بدل الالتزام بقرار الكونغرس، جرى البحث عن طريق التفافي، فالأموال الناتجة عن صفقات السلاح مع إيران لم تُستخدم فقط في المسار المرتبط بالرهائن، بل تم تحويل جزء منها سرًا إلى الكونترا.
بمعنى آخر، الإدارة لم تكتفِ بمخالفة الحظر على إيران، بل خالفت أيضًا إرادة المؤسسة التشريعية الأمريكية نفسها.
لماذا كانت الفضيحة بهذه الخطورة؟
لأنها كشفت ثلاث طبقات من الأزمة في آن واحد.
- أولًا، كانت هناك خيانة للخطاب الرسمي: أمريكا تعلن العداء لإيران، ثم تبيعها السلاح.
- ثانيًا، كانت هناك خيانة للمسار الدستوري: الكونغرس يمنع التمويل، والإدارة تجد طريقًا سريًا للتمويل.
- ثالثًا، كانت هناك خيانة لثقة الجمهور: ما قُدم للرأي العام عن “المبادئ” و”الحزم” و”حماية القانون” انهار أمام شبكة من الصفقات المظلمة.
لهذا لم تُفهم فضيحة إيران كونترا باعتبارها حادثًا معزولًا، بل باعتبارها تعبيرًا عن طريقة كاملة في إدارة السلطة الأمريكية خلال الحرب الباردة، حيث يمكن للأمن القومي أن يتحول إلى ذريعة لتجاوز القانون.
كيف انكشفت فضيحة إيران كونترا؟
انفجرت القضية علنًا في أواخر عام 1986، حين بدأت الصحافة الأمريكية تكشف تفاصيل الاتصالات السرية مع إيران، ثم اتضح لاحقًا أن هناك تحويلًا للأموال باتجاه الكونترا.
ومع اتساع التحقيقات، ظهرت أسماء بارزة من داخل إدارة ريغان، أهمها أوليفر نورث، الذي أصبح لاحقًا أحد الوجوه الأشهر المرتبطة بهذه القضية، إضافة إلى كاسبر واينبرغر وآخرين.
وخلال رئاسة جورج بوش الأب، وُجهت اتهامات إلى عدد من كبار المسؤولين بسبب أدوارهم في الفضيحة، ما عمق الإحساس بأن القضية لم تكن تصرفًا فرديًا، بل شبكة قرارات وموافقات وعمليات تغطية داخل مستويات عليا من الحكم.
ومن أكثر التعليقات شهرة في تلك الفترة ما قاله المذيع الأمريكي الأسطوري جوني كارسون، حين سخر من صعوبة إيجاد هيئة محلفين لم تسمع شيئًا عن الفضيحة، وقال إن المحامين كانوا يبحثون عن 12 رجلاً وامرأة لم يقرأوا أو يشاهدوا شيئًا عن القضية، ولم يجدوا إلا واحدًا: جورج بوش.
كانت الجملة ساخرة، لكنها لخصت الجو العام: الفضيحة كانت ضخمة إلى درجة أن الادعاء بالجهل بها بدا بحد ذاته مادة للتندر.
ماذا تعلمنا فضيحة إيران كونترا؟
أهم ما تعلمه هذه القضية أن الدولة الحديثة، مهما بدت قوية ومؤسسية، يمكن أن تنزلق إلى إدارة مزدوجة: قانون في الواجهة، وعمليات سرية في الخلفية.
كما تعلمنا أن التذرع بـ”الظروف الاستثنائية” أو “الأمن القومي” غالبًا ما يكون المدخل الأوسع لتجاوز القانون.
لكن مع وجود صحافة مستقلة وحرة في الولايات المتحدة والغرب عموما هناك دائما فرصة لكشف أي فساد أو صفقات مشبوهة ووصولها إلى الرأي العام على عكس الدول النامية والمشرقية التي تعد فيها الصحافة أداة بيد السلطة نفسها التي تمارس الفساد.
في الصين وروسيا وكوريا الشمالية وحتى معظم الدول العربية نجد أن فرص الكشف عن مثل هذا الفساد متدني لأن الصحافة أداة من أدوات توجيه الرأي العام.
