
مثل غيره من الشخصيات التاريخية التي صاغتها الذاكرة الجمعية على هواها، تحوّل صلاح الدين الأيوبي من قائد عسكري مستبد عانى الناس في عهده الضرائب القاسية والحروب المتواصلة، إلى بطل أسطوري يُحتفى به ويُقدَّم باعتباره رمزًا مطلقًا للعدل والتحرير ولا غبار عليه.
وقد أصبح اسمه لدى تيار واسع من المسلمين جزءًا من المقدّسات التي لا تُمس ولا تُسائل، وترسّخت صورته في الوعي العام فارسًا نقيًّا لا يخطئ، لا يُسأل ماذا فعل في الداخل، بل يُكتفى بحكاية “تحرير القدس” لتُغلق كل ملفات تاريخه الأخرى.
مصر الفاطمية: دولة تتهاوى تحت ثقل الصراعات
قبل وصول صلاح الدين بعقود طويلة، كانت مصر تخضع لحكم الدولة الفاطمية التي امتد سلطانها أكثر من مئتي عام، دولة إسماعيلية بدأت من المغرب، ثم دخلت مصر سنة 969م، فبنت القاهرة وأسست الأزهر وجعلت البلاد مركزًا لخلافتها التي نافست العباسيين في بغداد.
وعلى الرغم من قوتها وهيبتها في فترات متعددة، فإن الدولة الفاطمية دخلت في قرنها الأخير مرحلة من التآكل البطيء، حيث الوزراء يتصارعون على النفوذ، والجند ينقسمون، والجيش يفقد انضباطه، والفتن تتسع، بينما الخلافة العباسية تستعيد قوتها وتنتظر سقوط منافستها.
كان العاضد لدين الله آخر خلفاء الفاطميين طفلًا حين تولّى الحكم، لا يملك من السلطة إلا الاسم، وقد أصبح مجرد واجهة تحاول الدولة إظهارها بينما يدير الوزراء البلاد فعليًا.
ومع غياب القيادة المركزية وضعف المؤسسات، تحولت الساحة السياسية إلى معركة مفتوحة بين رجال السلطة، وفي مقدمتهم وزيران بارزان: ضرغام الذي بسط سيطرته على الجيش، وشاور الذي فقد منصبه ولم يرضَ بأن يغادر المشهد مهزومًا.
شاور يستغيث بدمشق… ويدخل نور الدين على الخط
حين هُزم شاور واضطر إلى الهرب، لم يجد أمامه إلا الشام، وهناك قصد نور الدين زنكي الذي كان في تلك المرحلة أقوى أمير سني في المنطقة، ينظر إلى مصر بعين الطامحين ويراها الجائزة الكبرى التي لم يحصل عليها بعد.
دخل شاور مجلس نور الدين لا بصفته وزيرًا مطرودًا، بل بوصفه رجلًا يحمل مفتاحًا ثمينًا؛ فإذا أعاده نور الدين إلى منصبه حصل مقابل ذلك على موطئ قدم داخل مصر.
لم يفوّت نور الدين الفرصة، فأرسل جيشًا بقيادة قائده القوي أسد الدين شيركوه، يرافقه ابن أخيه الشاب الهادئ الذي لم يكن أحد يعرفه بعد: صلاح الدين الأيوبي.
كان الهدف الظاهر إعادة شاور، لكن الهدف الحقيقي كان فتح باب النفوذ السنّي في مصر تمهيدًا للوحدة الكبرى بين الشام ومصر.
دخل شيركوه القاهرة سنة 1164م وأعاد شاور، لكنه اكتشف سريعًا أن الرجل الذي استنجد به لا يريد شريكًا في الحكم، فبدأ شاور يضيق على الجيش الشامي، ثم لجأ سرًا إلى الصليبيين ليطلب مساعدتهم في طرد شيركوه.
كانت تلك اللحظة كافية لتشتعل الفوضى ولتظهر نوايا الجميع، إذ أن شيركوه يريد مصر، وشاور يريد السلطة، والصليبيون يريدون إضعاف الطرفين.
شيركوه يدخل القاهرة من جديد
بعد معارك متقطعة وانسحابات متبادلة، عاد شيركوه إلى مصر سنة 1169م، وهذه المرة لم يكن ينوي العودة خائبًا، دخل القاهرة بقوة، وأسقط شاور، وانتهى الصراع بقتله.
جلس شيركوه وزيرًا على مصر في لحظة بدت وكأن نور الدين أخيرًا اقترب من تحقيق مشروعه، لكن القدر كان يعيد ترتيب الأدوار بسرية كاملة، فما هي إلا أسابيع قليلة حتى مات شيركوه فجأة، ووجد الشاب الذي كان يتبعه في الظل نفسه أمام منصب لم يكن يحلم به: وزارة مصر.
هكذا أصبح صلاح الدين وزيرًا في دولة فاطمية تتداعى، وبدأ من تلك اللحظة بناء مشروعه الخاص، لا مشروع نور الدين وحده.
انقلاب صلاح الدين واسقاطه الدولة الفاطمية
لم يلجأ صلاح الدين إلى العنف المباشر، بل اتجه إلى تفكيك الدولة من الداخل، كان يعرف أن إسقاط خلافة امتدت قرنين لا يتحقق بقرار واحد، وإنما بسلسلة من الإجراءات التي تقتلع جذورها تدريجيًا، فبدأ بتغيير بنية القضاء، فعزل القضاة الشيعة الذين اعتمدت عليهم الدولة الفاطمية طوال تاريخها، وعيّن محلهم قضاة شافعية.
ثم أعاد تشكيل الجيش، مستبدلًا الجنود الموالين للفاطميين بعناصر كردية وتركية تدين له بالولاء الشخصي، ومع مرور السنوات، أصبح للجيش لون فكري جديد وهوية مذهبية جديدة.
وفي الوقت نفسه، أغلق الأزهر بهدوء وتراجعت مجالسه، بينما بدأت خطب الجمعة في بعض المناطق تُرفع باسم الخليفة العباسي بدلًا من الخليفة الفاطمي.
وعاشت القاهرة تلك الفترة في صمت ثقيل، بينما الخليفة العاضد نفسه صار سجينًا في قصره، لا يسمع رأيه أحد، ولا يُؤخذ بسلطانه.
موت العاضد ونهاية الدولة الفاطمية
في سنة 1171م، مات العاضد لدين الله، ويورد بعض المؤرخين إشارات إلى احتمال أن تكون وفاته مدبرة، لكن أيا يكن السبب، فإن موته مثّل اللحظة التي كان ينتظرها صلاح الدين.
أُعلن في الجمعة الأولى بعد رحيله انتهاء الخلافة الفاطمية رسميًا، وصعد الإمام المنبر ليدعو للخليفة العباسي في بغداد، لم يعترض أحد، لأن مصر كانت قد تغيرت بالفعل ولم يبق من الدولة سوى الاسم.
ومنذ تلك اللحظة، انتقل صلاح الدين من مرحلة التفكيك إلى مرحلة الاجتثاث الكامل لكل أثر فاطمي في البلاد وحارب المذهب الشيعي والإسماعيلية.
جرائم صلاح الدين الأيوبي
لم يكن إسقاط الخلافة نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة من أشد المراحل اضطرابًا في تاريخ مصر، فقد شرع صلاح الدين في حملة تطهير واسعة استهدفت كل من ارتبط بالفاطميين، سواء بالدم أو الولاء أو الوظيفة.
اقتيد أمراء الدولة إلى قلاع بعيدة، وفُصل الرجال عن النساء حتى لا يستمر نسلهم، ومات كثيرون منهم جوعًا أو غربةً، بينما تعرّض الجنود السودانيون الذين كانوا عماد الجيش الفاطمي لمجازر دامية، وقُتلوا في الشوارع والبيوت من دون محاكمات أو مراجعة.
وامتدت الحملات إلى القرى التي بقيت على ولائها للفاطميين، وخصوصًا في الصعيد، فنهبت البيوت، وسُبيت النساء، وانكسر ما تبقى من نفوذ الفاطميين الشعبي.
وكان المشهد الأكثر قسوة هو ما حدث لمكتبة دار الحكمة، التي كانت إحدى أعظم دور العلم في العالم، إذ نُهبت مخطوطاتها الثمينة، وبِيع بعضها بثمن تافه، وأُحرقت أعدادٌ كبيرة منها لتختفي معها كنوز معرفية لا تقدّر بثمن.
أما الأزهر فقد بقي مغلقًا سنوات طويلة، وتحوّل من مركز إشعاع علمي إلى مبنى صامت، حتى أُعيد افتتاحه لاحقًا بوصفه جامعًا سنيًا لا مؤسسة فاطمية كما أُنشئ أصلًا.
ومع أن الفاطميين لم يفرضوا مذهبهم على المصريين بالقوة، فإن صلاح الدين فرض المذهب الشافعي فرضًا، وبه بدأت مصر السنية التي نعرفها اليوم.
مصر تتحول إلى قاعدة لتمويل حرب الشام
بعد أن استقرت السلطة لصلاح الدين، توجه إلى هدفه الأكبر: نقل موارد مصر الهائلة إلى مشروعه العسكري في الشام.
تضاعفت الضرائب، وزادت الجبايات، وتعرض الفلاحون لأشكال قاسية من الإكراه لجمع الأموال، كما صودرت أراض واسعة ونُقلت ملكيتها إلى الأسرة الأيوبية بداعي “تنظيم الدولة”، وأصبحت مصر في تلك المرحلة خزانًا ماليًا يمد الجيش الأيوبي بكل ما يحتاجه.
ولم يتوقف الأمر عند الأموال، بل صودرت الأوقاف الفاطمية التي كانت تمول المستشفيات والمدارس وتكفل آلاف الفقراء واليتامى، وتحولت كلها إلى مصادر تمويل للحرب.
يقول المقريزي إن “ما لا يُحصى” من الأوقاف انتهى إلى خزائن السلطان وعائلته، بينما تركت آلاف الأسر بلا مورد.
نور الدين زنكي هو البطل الحقيقي
ترفع الرواية التقليدية صلاح الدين إلى قمة البطولة، لكن الحقيقة أن الرجل الذي بنى البنية العسكرية والسياسية التي اعتمد عليها صلاح الدين هو نور الدين زنكي.
إنه الرجل الذي وحد الشام، وأنشأ المدارس العسكرية، وأرسى الخط الدفاعي ضد الصليبيين، ووضع الخطط الكبرى التي سار عليها صلاح الدين خطوة بخطوة.
ولذلك قال ابن الأثير عبارته الشهيرة: “ولو عاش نور الدين لما ترك لصلاح الدين أي فضل”، وهي شهادة تكشف أن المجد الذي نُسب إلى صلاح الدين كان امتدادًا لمشروع أسسه رجل آخر، وأن مصر لو شهدت يومًا واحدًا إضافيًا في عمر نور الدين لربما بدا التاريخ مختلفًا تمامًا.
