إكرام بن جيلالي

ما زالت صورة إكرام بن جيلالي، وهي فتاة جزائرية بملامح طفولية، ترتدي حجابًا وهي تبكي بعد أن سألها مذيع في الشارع “لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم بيننا الآن، ماذا تقولين له”.

لم تكن إكرام يومها تعرف أنّ تلك الدمعة التي خرجت من قلب مراهقة بسيطة في وهران ستكبر على الشاشات لتصبح أيقونة دينية يستشهد بها الوعاظ على «حبّ النبي»، ثم ستعود بعد سنوات في صورة أخرى تمامًا: امرأة شابة بشعر منسدل وفستان رمادي مفتوح الصدر، ترفع كأسًا في مطعم أمريكي صغير وتبتسم للكاميرا.

إنها صورة واحدة كافية لتعلن مواقع التواصل افتتاح جلسة جديدة لمحكمة الأخلاق: «شاهدوا كيف تحوّلت الفتاة التي بكت على رسول الله إلى فتاة نزعت الحجاب وخانت زوجها وهربت مع عشيقها المغربي في أمريكا»

رحلة إكرام بن جيلالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية

بعد انتشار الفيديو على القنوات الجزائرية ومنصّات التواصل، تحوّلت إكرام بن جيلالي إلى رمز صغير في المجتمع الديني الشعبي؛ فتاة تبكي لشوقها إلى رسول الله، فيُفترض تلقائيًا أنها صالحة، طاهرة، مثالية، تصلح أن تكون زوجة لأي رجل «تقي» يبحث عن نصفه الآخر.

في تلك الأثناء، كان عبد القادر بويجرة المغترب الذي يحمل جواز سفر أمريكيًا ويعمل في الولايات المتحدة يشاهد المقطع نفسه، فيرى في دموع إكرام صورة الزوجة الصالحة أكثر مما يرى فيها إنسانة من لحم ودم لها ضعفها وأسئلتها.

يتواصل الرجل مع عائلتها، تُجرى الاتصالات، تتدخّل الوساطات، وتُختصر مسافة الحياة كلّها في بضعة أشهر، من فيديو عابر إلى عقد زواج شرعي، ومن مقطع تلفزيوني إلى تأشيرة سفر نحو «الحلم الأمريكي».

ترحل إكرام من وهران وهي تحمل في حقيبتها حجابها، وذكريات حيّ شعبي، وصورة وردية عن زوجٍ متدين سيمنحها بيتًا دافئًا في بلاد الفرص، بينما كان في انتظارها شيء آخر تمامًا.

سبب خلاف إكرام بن جيلالي مع زوجها عبد القادر بويجرة

ما إن وطئت قدما إكرام شقة الزوجية في نيوجيرسي حتى بدأ الحلم يتقشّر ببطء، فحسب روايتها في حوار مطوّل مع جريدة الشروق الجزائرية، اكتشفت أنّ البيت الذي قيل لها إنه سيكون عشّهما الجديد ما يزال ممتلئًا بصور وأغراض الزوجة الأمريكية السابقة ذات الخمس والخمسين عامًا، وأن عبد القادر لم يقطع صلته بها كما أوهمها قبل الزواج، بل كان يعيش على امتيازاتها ويستفيد من كل ما تملك.

لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فالرجل الذي قدّم نفسه لها تقيًا محافظًا، يرفض وفق شهادتها أن يضع خاتم الزواج، ولا يعرّفها على الناس بصفتها زوجته، ويتعامل معها في الشقة الضيقة التي تجمعهما مع شقيقته المراهقة كضيفٍ ثقيل أكثر منه شريكة عمر.

ومع مرور الأيام، تتبدّل لغة الخطاب داخل البيت؛ من كلمات الإعجاب والإطراء، إلى الصراخ والاتهام والتقليل من شأنها، حتى بدأت تشعر أنها محاصرة داخل غرفة صغيرة في أقصى العالم، لا تملك سوى هاتف يربطها بأسرتها البعيدة، وقانون لا تعرف لغته ولا ثقافته.

إكرام بن جيلالي من «زوجة مهاجرة» إلى «امرأة هاربة»

حين بلغ التوتّر بين الطرفين ذروته، قرّرت إكرام أن تتّخذ القرار الأصعب في حياة أي امرأة مهاجرة لا سند لها وهو الهروب وأن تستنجد بالشرطة، تُنقل إلى مركز إيواء للنساء المعنّفات، تقضي لياليها الأولى على سرير معدني بغطاء بارد، في مدينة لا تعرف فيها أحدًا، سوى بعض المتطوعين الذين يشرحون لها بإنجليزية مكسّرة حقوقها الأساسية وكيف يمكنها أن تبدأ حياة جديدة وحدها، إن أرادت أن تستمر.

في هذه الأثناء، تحاول إكرام أن تقف على قدميها، وتبحث عن عمل في مطعم، وتتعلّم ما يكفي من اللغة لتفهم تعليمات المدير وزملائها، وتستأجر لاحقًا غرفة صغيرة في شقة تشاركها مع فتيات أخريات.

العالم الذي كان يُسوَّق لها باعتباره جنّة موعودة يتقلّص إلى ساعات عمل طويلة، ووجبات سريعة، وطريق يومي بين مكان الإيواء أو السكن المؤقت والعمل، ومعركة مفتوحة مع الذكريات.

عبد القادر بويجرة يتهم إكرام بن جيلالي

لم يقبل عبد القادر فكرة أن تتركه زوجته وتختار أن تعيش وحدها في بلدٍ لا تعرفه، فيخرج في حوارات تلفزيونية يروي فيها قصته هو، حيث يقول إن إكرام سرقت أمواله، وغادرت البيت دون إذن، وإنها خانته مع شاب مغربي تعرّفت إليه في أمريكا، ويعرض صورًا لها بلا حجاب، تجلس معه في مطعم أو تقاسمه الضحك في جلسةٍ مع أصدقاء.

تلتقط وسائل الإعلام العربية فتنشر قصصًا عن «إكرام التي خدعت زوجها من أجل الحلم الأمريكي، ثم ألقت حجابها في المطار وهربت مع عشيقها المغربي»، وتضيف الصحف العناوين الأكثر إثارة، بينما يتكفّل فيسبوك وباقي الشبكات بالباقي من صور قبل الحجاب وبعده، مقارنات، تعليقات حانقة، خطباء يندبون «سقوط المحجبات في الغرب»، وقرّاء يتسابقون إلى السبّ والتشهير.

في ظرف أيام قليلة، تتحوّل إكرام إلى قضية رأي عام، لا في الجزائر وحدها بل في عدد من البلدان العربية التي وجدت في قصتها فرصة للهجوم على الجزائريات أو للتشكيك في «صدق المحجبات»، وفق ما رصدته تقارير صحفية جزائرية حاولت تفكيك خلفيات هذا السعار الجماعي.

رد إكرام بن جيلالي على عبد القادر

تقرّر إكرام، تحت ضغط الفضيحة العابرة للحدود، أن تروي نسختها هي من القصة، فتمنح جريدة «الشروق أونلاين» حوارًا مطوّلًا، تروي فيه تفاصيل الزواج والسفر والبيت الذي تسكنه الزوجة السابقة، وتتهم عبد القادر بأنه هو من خدعها ولم يصن كرامتها، وتنفي أن تكون قد سرقت منه شيئًا سوى حليّها وأغراضها الشخصية، كما تنفي أن يكون الشاب المغربي «عشيقًا»؛ بل زميل عمل ساعدها على إيجاد وظيفة ومكان للسكن في بداية الهروب.

في مقال آخر على الجريدة نفسها، يذهب كاتب جزائري إلى أبعد من ذلك، فيعتبر أن قصة خيانة إكرام مفبركة في جزء كبير منها، وأن ما جرى تضخيمه إعلاميًا استُغلّ لضرب صورة الحجاب والمرأة الجزائرية معًا، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المواقع العربية تعاملت مع القصة بوصفها مادة للسخرية من الجزائريات والمحجبات أكثر من كونها محاولةً لفهم معاناة زواج مختلّ في بلاد الغربة.

بين رواية الزوج ورواية الزوجة، لا يملك القارئ البعيد أن يتيقّن من كل التفاصيل، لكن المؤكد أنّ حياة هذه الفتاة تحوّلت فجأة إلى مسلسل جماعيّ يكتب كلُّ طرفٍ حلقاته بحسب ما يخدم قناعاته وأفكاره المسبقة.

إكرام بن جيلالي لم تعد محجبة

في خضمّ هذه المعركة المفتوحة، تعلن إكرام أنها نزعت الحجاب فعلًا بعد تلك التجربة القاسية؛ لا تنكر ذلك، بل تشرحه بوصفه نتيجة طبيعية لانكسارها النفسي، ولإحباطها من زواج قدّم لها صورة مثالية عن التديّن ثم كشف لها وجهًا قاسيًا من القهر باسم الدين.

ومع ذلك، تصر في حديثها على أنها لا تقبل اتهامها بالكفر أو الردة، وأن علاقتها بالله ليست شأنًا عامًا يبتّ فيه المعلّقون على فيسبوك.

إلا أن قرار خلع الحجاب، في مجتمعٍ يختزل الدين كله في قطعة قماش، يصبح الدليل القاطع على «سقوطها النهائي» في نظر كثيرين فحين كانت محجبة باكية، رُفعت على الأكتاف، وحين ظهرت بشَعرٍ مكشوف وفستانٍ غربي في صورة عابرة، مُزّقت بالشتائم نفسها التي كانت بالأمس تُمطَر بها «الكافرات المتبرّجات».

هنا تتجلّى المفارقة: لا أحد يسأل عن تفاصيل العنف داخل البيت، ولا عن صعوبة الغربة، ولا عن هشاشة فتاة في العشرينات تُلقى وحيدة في قارة غريبة، بل ينشغل الجميع بلقطةٍ واحدة؛ لون الثوب، عمق فتحة الصدر، وجود كأس في يدها أم عدمه، وكأنّ الأخلاق تختزل في زاوية الكاميرا لا في مسار الحياة كله.

حرب نفسية ضد إكرام الجزائرية

لم يكتفِ الخيال الجماعي بما حدث فمع مرور السنوات، بدأت قنوات يوتيوب وصفحات تعيد تدوير القصة في نسخ جديدة أكثر سوداوية: تارةً يتحدّثون عن العثور على جثّة إكرام مشنوقة في أمريكا بعد أن ضاقت بها الحياة بين العري والذنوب، وتارةً أخرى يروّجون لرواية اعتناقها المسيحية وأنها انتقلت من «حب الرسول إلى محبة يسوع»، مع عناوين من نوع «لن تصدّق كيف أصبحت إكرام التي بكت لرؤية الرسول».

غير أنّ هذه القصص تظلّ بلا سند صحفي جدّي؛ لا توجد تقارير موثوقة عن وفاتها، ولا بيانات من سلطات رسمية تؤكد ذلك، وغالبًا ما تأتي هذه الروايات من قنوات تسعى إلى رفع نسب المشاهدة، تستغل اسم الفتاة التي عرفها الجمهور ذات يوم لتبني حولها أسطورة أخلاقية جاهزة.

كما أن الكثير من الصفحات الذكورية الجزائرية المتطرفة تستغل هذه القصة للتشكيك في الجزائريات والتحريض ضدهن.