
عندما أعلن رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز عن دوري السوبر الأوروبي تعرض رجل الأعمال الشهير للكثير من الإنتقادات ووصفته الصحافة بأنه سيدمر كرة القدم الأوروبية.
لقد تعرض المشروع تماما للتدمير، وانسحبت الأندية الإنجليزية أولا ثم أتلتيكو مدريد ثم انتر ميلان ثم ميلان وهذا في آخر 24 ساعة، فيما اعترف يوفنتوس بالهزيمة.
إلى الآن لا يزال ريال مدريد وبرشلونة متمسكان بالمشروع، فيما حصلت على ما يبدو الفرق الإنجليزية بوعود من الإتحاد الإنجليزي بمساعدتها ماليا وتقديم حوافز أفضل.
مسرحية ادعاء الشرف والدفاع عن الفقراء:
كل شخص يحاول استثمار الانسحاب لصالحه، ادعت الأندية التي تلهث وراء المال أنها زاهدة وتبحث عن تطوير كرة القدم وأنها تعتذر لجماهيرها، وفي الواقع فقد تعرضت لضغوط من رئيس الوزراء البريطاني والسلطات السياسية والرياضية.
باريس سان جيرمان الذي غاب عن الأعضاء المؤسسين، جاء غيابه لأنه مملوك لمستثمرين قطريين وهو متهم بالفساد، ومن أبرز الفرق التي زادت من أسعار اللاعبين ورواتبهم بشكل فلكي.
الفريق الفرنسي كان ينتظر أن ينجح المشروع لينضم إليه، لقد منح الخليفي وعدا وطلب من الفرق الأخرى الدفاع عن المشروع وهو سينضم إليهم بعد أن تهدأ الأمور.
ولا يختلف الوضع بالنسبة لكل من مانشستر سيتي وتشيلسي، الأول انسحب مبكرا في المشروع وهذا خوفا على ما يبدو من عقوبات الإتحاد الأوروبي وتسليط الضوء على ملفات فساده، ومن المعلوم أنه فريق ينفق كثيرا ولم يسيطر على المنافسة هناك من فراغ والمستثمرين فيه هم اماراتيين، فيما نظيره تشيلسي هو مملوك لرجل أعمال روسي، ويمكن تلفيق تهم له بسهولة من السلطات البريطانية المعادية لروسيا.
أما تصريحات نيمار وجوارديولا وعدد من اللاعبين والمدربين الذين يتقاضون رواتب خيالية فهي تصريحات متناقضة ومضحكة.
الجماهير العاطفية سعيدة بانهيار المشروع وهي التي تدفع مبالغ مالية لمشاهدة المباريات وأيضا للحضور إلى المدرجات، وهي غارقة في وهم أن كرة القدم لعبة الفقراء.
أزمة كرة القدم الأوروبية:
خسرت أكبر بطولات كرة القدم في أوروبا 4.5 مليار جنيه إسترليني من الإيرادات خلال عام 2020، في حين أن الأندية الصغيرة قد تركت على حافة الهاوية بسبب الأزمة، وجد تقرير جديد أن أبطال الدوريات الستة الأكثر ثراءً في أوروبا يواجهون أيضًا فجوة سوداء في ميزانيتهم بفضل الوباء.
في الوقت الذي بدا فيه أن كرة القدم في عام 2019 تتمتع بطفرة لا نهاية لها، فإن التعليق المفاجئ للعبة استجابة لوباء الفيروس التاجي كشف بوحشية عدم الاستقرار المالي.
وفقًا لتقرير صادر عن فريق Football Benchmark التابع لـ KPMG، إذا ألغت البطولات الخمس الكبرى في أوروبا المباريات المتبقية من الموسم، فقد يخسرون مجتمعة 3.6 مليار جنيه إسترليني بما في ذلك خصم كبير للمذيعين يحللون ويعلقون على المباريات.
في حين أن غالبية بطولات دوري النخبة في كرة القدم في أوروبا قد عادت إلى أرض الملعب في النهاية، كشفت دراسة متابعة من KPMG الآن أن هذا لم يكن كافيًا لتجنب حدوث ضرر كبير في الشؤون المالية لهذه الرياضة.
ربما كان لهذا تأثير أكثر خطورة على الأندية الأصغر في القارة التي دفعت عددًا منها إلى حافة التصفية بسبب أحداث الأشهر الـ 12 الماضية.
لا توجد صفقات انتقالات بأسعار كبرى في الفترة الحالية ولا في السوق السابق، وهذا يؤلم الأندية الصغيرة والمتوسطة التي تكتشف المواهب وتسوق لها وتبيعها بأسعار جيدة.
وفقًا لـ KPMG، خسرت ستة من أكبر بطولات الدوري في أوروبا ما مجموعه 4.5 مليار جنيه إسترليني في الإيرادات التشغيلية حتى عام 2020.
يوضح مدى سوء تدهور الأمور خلال عام 2020، حتى أبطال إسبانيا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال وألمانيا – ناهيك عن القارة بأكملها – شهدت انخفاضًا ملحوظًا في الدخل.
الجوائز المالية الضخمة المرتبطة بالفوز بالدوري الألماني ودوري أبطال أوروبا لم تكن كافية لرؤية العملاق البافاري يتجنب انخفاضًا في الإيرادات بقيمة 16.28 مليون جنيه إسترليني (18.3 مليون يورو) ومع ذلك فإنه لا يزال يسجل أكبر ربح قدره 5.25 جنيه إسترليني مليون (5.9 مليون يورو)، لكنه ربح قليل بالنظر إلى حجم المؤسسة وأعمالها.
قضى ليفربول العام بصفته حاملًا لكأس العالم للأندية، وأكمل أول انتصار له في دوري الدرجة الأولى منذ 30 عامًا في عام 2020، ولكن حتى هذه الإنجازات الرياضية الضخمة لم تكن كافية للحفاظ على إيرادات الريدز من الانكماش بمقدار 42.35 مليون جنيه إسترليني (47.6 مليون يورو).
على الرغم من أنها لم تعلن بعد عن نتائجها المالية، إلا أن أداء ليفربول المقيد في سوق الانتقالات الصيفية قد يستمر في تحقيق أرباح ضئيلة.
وبالمثل شهد ريال مدريد أيضًا انخفاضًا بنسبة 8٪ في الإيرادات التشغيلية في طريقه إلى لقب الدوري الإسباني، لكن الدخل السنوي الهائل لريال مدريد لا يزال هو الأكبر بين جميع أبطال أوروبا وهو ما يعني أنه يواصل تسجيل أرباح طفيفة قدرها 266.9 مليون جنيهًا إسترلينيًا (300 مليون يورو).
في هذه الأثناء استمر ركود يوفنتوس الذي لا يزال مهيمناً في إيطاليا، لكنه لا يزال يائساً للفوز بلقب دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في هذا القرن حيث شهد النادي تراجعاً في إيراداته بنسبة 13٪.
هذا لا يزال باهتًا مقارنة بالوضع في باريس سان جيرمان الذي شهد انخفاضًا بنسبة 15٪ وهي أكبر ضربة من حيث القيمة المطلقة لبطل أوروبي، بقيمة 84.88 مليون جنيه إسترليني (95.4 مليون يورو) حتى مع وصول الفريق إلى أول نهائي له في دوري أبطال أوروبا.
رأينا كيف أن الأندية قد طلبت من اللاعبين التخلي عن جزء من رواتبهم الفترة الماضية بسبب نقص السيولة، مع العلم أن الرواتب تواصل تضخمها وهي رحلة لا يمكن ايقافها.
فقاعة الديون الأوروبية:
وفي الواقع هناك فقاعة من الديون تتزايد بشكل متسارع في هذه الصناعة خلال الأشهر الأخيرة، وحتى الأندية التي تخلصت من الديون مثل أتلتيكو مدريد عادت إلى عادتها القديمة وحسب الأرقام المنشورة خلال يونيو 2020 إليك الأرقام:
توتنهام هوتسبر: 591.8 مليون جنيه إسترليني في الديون.
مانشستر يونايتد: 452.7 مليون جنيه إسترليني ديون
يوفنتوس: 336.7 مليون جنيه إسترليني في الديون
إنتر ميلان: 278.6 مليون جنيه إسترليني ديون
برشلونة: 274.2 مليون جنيه إسترليني ديون
ريال مدريد: 146.8 مليون جنيه إسترليني ديون
أتلتيكو مدريد: 95.9 مليون جنيه إسترليني ديون
ميلان: 89.7 مليون جنيه إسترليني ديون
أرسنال: 66.3 مليون جنيه إسترليني ديون
مانشستر سيتي: 44.8 مليون جنيه إسترليني ديون
ليفربول: لم يتم الكشف عن أرقام صافي الديون لعام 2019-20.
ستستمر الأرقام في التزايد بشكل عام فالأندية لم تعد ربحية، والأمر سيء للغاية بالنسبة للأندية الصغيرة في القارة العجوز.
كرة القدم الأوروبية ستنهار للأسف:
بينما تستمر تداعيات وباء كورونا على هذه الصناعة تتضخم أجور اللاعبين، ومن الممكن أن نرى عدد من الصفقات الكبرى الصيف الحالي، ما يعني المزيد من الديون.
استمرار الوضع الحالي يعني أن الأندية الأوروبية يمكن أن تواجه ما حصل مع الأندية الصينية في وقت سابق من هذا العام حيث أعلن أكثر من 15 ناديا افلاسه بما فيه بطل الدوري الصيني.
صناعة كرة القدم هي ضخمة وتوظيف مئات الآلاف من الناس من الموظفين والصناعات المرتبطة بها، وهي تجارة وليس فقط فرجة، ولو لم تكن تجارة فلماذا تبيع الأندية التذاكر والقمصان وعدد من الخدمات للمعجبين؟ لماذا هذه الإعلانات والمعلنين والرعاة؟ لماذا ينتقل اللاعبين وفق صفقات مالية مهمة؟
حاول فلورنتينو بيريز أن يقدم مبادرة مميزة من طرفه تضمن للأندية الأوروبية الكبرى الإستمرار وتحقيق أرباحا ضخمة ومتنامية وبناء بطولة كالبطولات الأمريكية الناجحة، وبالطبع ستستفيد الأندية الصغيرة التي ستواصل استكشاف المواهب وبيعها بأسعار أعلى للأندية الكبرى.
هذه البطولة لن تقتل الدوريات المحلية، إذ يمكن أن تأخذ مكان أبطال أوروبا فحسب، ويمكن للأموال الطائلة التي ستأتي منها أن تساعد كرة القدم الأوروبية على الإستمرار والنمو.
أعتقد أن الرجل محق عندما قال: “نحن لسنا ضد كرة القدم، بل نريد إنقاذها، وإذا لم نفعل شيئًا، سنموت جميعًا بحلول عام 2024”.
إقرأ أيضا:
الأرباح الخيالية وراء اعلان دوري السوبر الأوروبي
طرق ربح المال وكسب الدولارات من كرة القدم
فضيحة برشلونة: توظيف الذباب الإلكتروني والأخبار المزيفة في كرة القدم
أسباب ارتفاع أسعار اللاعبين وتضخم الأجور في كرة القدم
من كرة القدم إلى التنس هكذا يتبنى النجوم والأندية العملات الرقمية المشفرة
