
أثار ظهور شقيق الفنان المصري عمرو عبد الجليل مع شقيقه الداعية أيمن في برنامج توأم رمضان الذي يقدماه للجمهور على منصات التواصل موجة واسعة من الجدل.
ورغم أن الجدل اتخذ طابعًا شخصيًا بسبب صلة القرابة بين الرجلين، فإن جوهر المسألة لدى العلمانيين والمسلمين الوسطيين يتجاوز الأشخاص إلى قضية أخطر ألا وهي تطبيع خطاب ديني يُهوّن من جريمة القتل ويضعها في مرتبة أدنى من ترك شعيرة دينية وهي الصلاة.
فقد أكد الداعية أيمن عبد الجليل أن «القتل أهون من ترك الصلاة»، وهي فكرة خطيرة للغاية تروج لها عادة جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها داعش وبعض الفرق السلفية الأكثر تطرفا.
صحيح أن مسألة حكم تارك الصلاة كانت محل خلاف فقهي تاريخي، خصوصًا بين بعض فقهاء المذهب الحنبلي، إلا أن هذا الجدل ظل في سياقه النظري ولم يكن قاعدة عملية تطبقها الدولة الحديثة.
بل إن مؤسسات الإفتاء الرسمية في العالم الإسلامي اليوم تؤكد أن العقوبات في الدولة المعاصرة لا تُبنى على ترك الشعائر، وإنما على الجرائم التي تمسّ حياة الناس وأمنهم.
غير أن الخلط بين نقاشات فقهية قديمة وبين واقع الدولة الحديثة يؤدي إلى إنتاج خطاب متشدد يُشبه في منطقه ما تبنّته تنظيمات متطرفة مثل داعش والقاعدة، التي اعتبرت نفسها وصية على إيمان الناس، ومنحت أتباعها شرعية زائفة لممارسة العنف باسم الدين.
في القانون المصري، كما في كل دساتير الدول الحديثة، القتل جريمة كبرى لا تقبل التأويل أو التبرير، أما الصلاة فهي عبادة ترتبط بحرية الضمير والمعتقد.
لهذا فإن تصريحات أيمن عبد الجليل يحول ترك الصلاة من «مسؤولية فردية» إلى خطأ شنيع يستوجب العقاب ويجعل هذا الفعل أسوأ من القتل الذي يأتي في مقدمة الكبائر في الإسلام.
وتظهر تجارب التاريخ أن تطبيع خطاب التكفير يبدأ غالبًا بتصريحات تبدو نظرية أو دعوية، قبل أن يتحول إلى ممارسات فعلية حين يجد من يترجم الكلمات إلى أفعال، ولهذا فإن مسؤولية الخطاب العام خاصة حين يصدر عن أشخاص يحظون بمتابعة واسعة تصبح مضاعفة.
يرى بعض الباحثين أن استخدام مسألة «تارك الصلاة» كأداة للضغط الاجتماعي لم يكن دائمًا دينيًا خالصًا، بل ارتبط أحيانًا بصراعات سياسية تاريخية، ففي بعض العصور، استُخدمت الشعائر كوسيلة لضبط الولاء السياسي أو توجيه الجماهير نحو مساجد معينة أو تيارات بعينها.
اليوم، في ظل دولة مدنية ذات مؤسسات قانونية واضحة، يصبح استدعاء تلك المفاهيم خارج سياقها التاريخي أمرًا مربكًا وخطيرًا، لأنه يعيد إنتاج خطاب يتجاوز الدولة ويضع «جماعات» أو «أفرادًا» في موقع سلطة أخلاقية فوق القانون.
الفنان ليس مسؤولًا قانونيًا عن آراء أقاربه، لكن في زمن الإعلام الرقمي، يصبح الظهور المشترك أو الصمت أحيانًا رسالة بحد ذاته، من حق أي شخص أن يعبّر عن قناعاته الدينية، لكن ليس من حق أحد أن يقدّم خطابًا يُهوّن من جريمة القتل أو يضعه في سياق مقارنات تخلّ بسلم القيم الإنسانية.
وتصريحات أمين عبد الجليل تشجع المجتمع المصري والمجتمعات الأخرى المتابعة على التطبيع مع فكرة أن «القتل أهون من ترك الصلاة» وهو ما يعيد إنتاج مناخ فكري غذّى سابقًا موجات تطرف دموي، ومصر، التي دفعت ثمنًا باهظًا في مواجهة الإرهاب خلال العقد الماضي، لا تحتمل عودة هذا الخطاب بأي صيغة كانت.
القضية ليست هجومًا على شخص بعينه، بل دفاع عن مبدأ واضح: حياة الإنسان وكرامته فوق أي جدل فقهي أو مزايدة دينية.
الصلاة عبادة، وتركها شأن فردي بين الإنسان وربه، أما القتل فهو جريمة في القانون والدين معًا، ولا يجوز أن يُطرح في أي سياق يوحي بأنه أقل شأنًا من غيره.
