اندلعت الحرب السيبرانية بين المغرب والجزائر وهو تطور خطير قد يؤدي إلى عواقب عسكرية وسياسية سيئة، لكن إذا بقيت الأمور على هذا المستوى فهناك فوائد بالرغم من الأضرار على المستوى القصير.
في هذه المقالة، نستعرض فوائد الحرب السيبرانية بين المغرب والجزائر التي تشكل تهديدا للسيادة الرقمية لكل من ابلدين في وقت تشارك فيه مجموعات قرصنة مختلفة بالهجمات المتبادلة.
ما الذي كشفته الهجمات السيبرانية بين المغرب والجزائر؟
هزت سلسلة هجمات سيبرانية المغرب، حيث استهدفت مجموعة تُعرف باسم “جبروت الجزائرية” قاعدة بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، مما أدى إلى تسريب معلومات حساسة تخص حوالي مليوني موظف و500 ألف شركة مغربية، تشمل أسماء، عناوين، أرقام بطاقات وطنية، وتفاصيل مالية.
في المقابل، ردت مجموعة مغربية تُدعى “Phantom Atlas” باختراق أنظمة المؤسسة العامة للبريد والاتصالات الجزائرية (MGPTT)، مسربة أكثر من 13 جيغابايت من الوثائق السرية، بما في ذلك بيانات شخصية وإدارية.
لقد كشفت هذه الهجمات التي بدأتها الجزائر عن هشاشة الأنظمة الرقمية في كلا البلدين، في المغرب، أظهرت التسريبات أن العديد من المواقع الحكومية تعتمد على خوادم قديمة وبرمجيات غير محدثة، مما يجعلها عرضة للاختراق.
وفي الجزائر، أبرزت العملية ضعف أنظمة الحماية لدى مؤسسات حيوية مثل البريد والاتصالات، التي تُعد عصب الخدمات العامة.
رغم الضرر الذي تسببت فيه هذه الهجمات، فإنها أجبرت المسؤولين في البلدين على مواجهة الحقيقة: البنية التحتية الرقمية ليست جاهزة لمواجهة تهديدات العصر الرقمي.
كما يشير خبير الأمن السيبراني محمد العمراني، “هذه العمليات هي مؤشر على ضرورة إعادة تعريف الأمن القومي ليشمل البنية الرقمية بنفس أهمية التحصينات العسكرية”، هذا الوعي الجديد قد يكون الخطوة الأولى نحو بناء أنظمة أكثر صلابة.
الإستثمار في الأمن السيبراني كأولوية وطنية
تسريب بيانات مثل تلك الخاصة بـ CNSS يفتح الباب أمام مخاطر جسيمة، منها الاحتيال المالي، انتحال الهوية، وحتى الابتزاز الرقمي.
على سبيل المثال، البيانات المسربة في المغرب تضمنت تفاصيل دقيقة مثل الأجور وسجلات الاشتراكات، مما يعرض ملايين المواطنين للاستغلال، في الجزائر، شملت التسريبات وثائق إدارية وبيانات مواطنين، مما يهدد الثقة في المؤسسات الحكومية.
هذه الحرب السيبرانية من شأنها أن تدفع الحكومتين إلى إعادة تقييم أولوياتهما. في المغرب، أعلن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي عن تحقيق داخلي وتفعيل بروتوكولات الأمن المعلوماتي لاحتواء الضرر.
كما أبدت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات الشخصية استعدادها لمعالجة شكاوى المتضررين، مع التأكيد على أن أي استخدام غير قانوني للبيانات المسربة سيواجه بالمساءلة، هذه الخطوات تشير إلى بداية استثمار جدي في حماية البيانات.
على الصعيد الجزائري، فإن اختراق مؤسسة البريد والاتصالات قد يحفز الحكومة على تخصيص ميزانيات أكبر لتطوير أنظمة الحماية.
وفقًا لتقرير صادر عن مركز TRENDS Research & Advisory، فإن الدول التي تتعرض لهجمات سيبرانية كبيرة غالبًا ما تضاعف استثماراتها في الأمن السيبراني بنسبة تصل إلى 30% خلال السنوات الثلاث التالية، هذا التوجه قد يؤدي إلى تعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
تطوير المواقع الحكومية المغربية والجزائرية
أظهرت الهجمات السيبرانية أن العديد من المواقع الحكومية في المغرب والجزائر تعاني من تصميمات قديمة وثغرات أمنية.
على سبيل المثال، موقع وزارة الإدماج الاقتصادي المغربية، الذي تعرض للاختراق، كان يعتمد على نظام معلوماتي أساسي لم يتم تحديثه بشكل كافٍ، على الجهة الأخرى في الجزائر، كشفت عملية “Phantom Atlas” عن سهولة اختراق أنظمة تُفترض أنها محمية بإجراءات صارمة.
في المغرب، أشار خبراء مثل أنس أبو الكلام إلى ضرورة إجراء اختبارات اختراق مستمرة وتحديث الشهادات الأمنية للمواقع الحكومية، هذا يعني استبدال الأنظمة القديمة بتقنيات حديثة، مثل بنية “Zero Trust” التي تعتمد مبدأ “لا تثق أبدًا، تحقق دائمًا”، والتي أثبتت فعاليتها في حماية المؤسسات عالميًا.
من جهة أخرى، قد تدفع هذه الأزمة البلدين إلى تبني استراتيجيات مشابهة، مثل تطوير منصات رقمية موحدة وآمنة على غرار مبادرة “UAE Pass” في الإمارات، التي تتيح للمواطنين الوصول إلى الخدمات الحكومية بأمان.
تحديث المواقع الحكومية لن يقتصر على تعزيز الأمن، بل سيحسن تجربة المستخدم، مما يزيد من كفاءة تقديم الخدمات للمواطنين في البلدين.
هل ستُنهي الحرب السيبرانية العداء المغربي الجزائري؟
رغم أن الحرب السيبرانية بين المغرب والجزائر تعكس توترات سياسية عميقة، إلا أنها قد تفتح الباب أمام تعاون غير متوقع.
الهجمات السيبرانية لا تعرف حدودًا، وتتطلب استراتيجيات مشتركة لمواجهتها، ومجموعات القراصنة المشاركة فيها ليست حكومية بل هم شباب متورطون في السجال السياسي.
ويعد غياب آليات إقليمية لرصد التهديدات السيبرانية في منطقة المغرب العربي أحد أسباب تفاقم هذه الأزمة، كما أنه يهدد دول المجموعة المغاربية جميعا بلا استثناء.
بدلاً من التصعيد، يمكن للبلدين استلهام تجارب دول أخرى، مثل الإمارات التي طورت شبكة “FedNet” لتبادل البيانات بأمان بين المؤسسات الحكومية.
إنشاء مركز مغاربي مشترك للأمن السيبراني قد يساعد في رصد التهديدات وتطوير استجابات فعالة، وعلى المستوى الدولي، قد يدفع هذا الصراع البلدين للانضمام إلى اتفاقيات مثل “اتفاقية بودابست” بشأن الجرائم السيبرانية، مما يعزز قدراتهما على مكافحة القرصنة.
وفي النهاية هل ستستغل المغرب والجزائر هذه اللحظة لتحويل التحدي إلى قوة رقمية، أم ستظل الحرب السيبرانية ساحة للصراع بدلاً من التقدم؟ الإجابة تعتمد على الخطوات التي ستتخذها الحكومتان في السنوات القادمة.

