الحوت الأزرق

في أعماق المحيطات، حيث تمتد المسافات الشاسعة بلا حدود، بدأ أضخم كائن عرفه كوكب الأرض يفقد صوته، ونتحدث عن الحوت الأزرق، الذي يصل طوله إلى نحو 30 مترًا ويزن قرابة 200 طن، حيث أصبح في بعض المناطق أقل إصدارًا للأصوات، في مؤشر يعتبره العلماء جرس إنذار خطيرًا لصحة المحيطات.

ويُقدَّر عدد الحيتان الزرقاء حاليًا بين 10 آلاف و 25 ألف حوت حول العالم، بعد أن كانت على حافة الانقراض في القرن العشرين بسبب الصيد الجائر.

ويعتمد العلماء منذ عقود على النداءات منخفضة التردد التي تطلقها هذه الحيتان لتتبع أعدادها وسلوكها وأنماط هجرتها، إذ يمكن لتلك الأصوات أن تنتقل مئات الكيلومترات تحت الماء.

غير أن باحثين في عدد من المناطق البحرية لاحظوا تراجعًا ملحوظًا في هذه النداءات، ما دفعهم إلى دراسة الظاهرة بعمق، خاصة بعد موجات حر بحرية غير مسبوقة شهدتها بعض المحيطات خلال السنوات الأخيرة.

موجة حر بحرية غيّرت كل شيء

في عام 2015، تابع باحثون أصوات الحيتان الزرقاء لمدة ست سنوات خلال موجة حر بحرية ضخمة عُرفت باسم “The Blob”، حيث ارتفعت درجات حرارة المياه بشكل استثنائي.

هذا الارتفاع لم يكن مجرد تغير عابر، بل تسبب في اضطراب السلسلة الغذائية البحرية، وأدى إلى انخفاض حاد في أعداد الكريل أو القشريات الصغيرة التي تشكل الغذاء الأساسي للحوت الأزرق.

ويستهلك الحوت الأزرق في المتوسط نحو أربعة أطنان من الكريل يوميًا، وهو ما يفسر حجمه الهائل، وعندما يتراجع هذا المصدر الغذائي، يصبح البقاء نفسه تحديًا يوميًا.

جون رايان، عالم المحيطات البيولوجي في معهد أبحاث خليج مونتيري، شبّه الأمر بمحاولة الغناء أثناء الجوع، موضحًا أن الحيتان كانت تمضي معظم وقتها في البحث عن الغذاء بدلًا من التواصل الصوتي.

معنى صوت الحوت الأزرق

النداءات الصوتية للحيتان ليست مجرد أصوات عابرة، بل وسيلة حيوية للعثور على شركاء التزاوج، وتنسيق الحركة، والحفاظ على الروابط الاجتماعية.

وعندما تتراجع هذه الأصوات، فإن ذلك لا يعكس تغيرًا سلوكيًا بسيطًا، بل قد يكون دليلًا على ضغط بيئي شديد.

ويرى علماء أن هذا الصمت قد يكون انعكاسًا مباشرًا لتأثيرات تغير المناخ، حيث تؤدي موجات الحر البحرية المتكررة إلى اضطراب النظم البيئية البحرية على نطاق واسع.

عالمة المحيطات كيلي بنوا-بيرد حذّرت من أن عواقب موجات الحر لا تقتصر على الحيتان فحسب، بل تمتد إلى النظام البيئي بأكمله.

فإذا كانت الحيتان غير قادرة على العثور على غذائها رغم قدرتها على قطع آلاف الكيلومترات على طول السواحل، فإن ذلك يشير إلى خلل واسع النطاق في توازن المحيط.

ماذا لو اختفت الحيتان الزرقاء؟

الدور البيئي للحيتان يتجاوز حجمها المذهل، فبحسب معهد رعاية الحيوان، تحتوي فضلات الحيتان على عناصر غذائية مهمة مثل الحديد والنيتروجين والفوسفور، وهي عناصر تحفز نمو العوالق النباتية الدقيقة (الفيتوبلانكتون)، التي تمثل أساس السلسلة الغذائية البحرية وتلعب دورًا مهمًا في امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

وتُعرف هذه العملية أحيانًا باسم “الحزام الناقل للحيتان”، حيث تنقل الحيتان المغذيات أفقيًا بين مناطق التغذية الغنية ومناطق التكاثر الأقل غنى، عبر فضلاتها وبولها وتساقط جلدها وحتى المواد المرتبطة بالتكاثر.

غياب الحيتان الزرقاء لن يعني فقط فقدان أكبر كائن عاش على الأرض، بل سيؤدي إلى اختلالات عميقة في النظم البيئية البحرية، ما يهدد أنواعًا عديدة تعتمد على هذا التوازن.