60% من أراضي العالم مهددة.. مصر والخليج ضمن الأسوأ!

تحذير علمي جديد يرسم صورة قاتمة لمستقبل كوكبنا: 60% من أراضي العالم خارج “المنطقة الآمنة” لسلامة البيوسفير الوظيفية، و38% منها في منطقة “الخطر العالي”.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات باردة، بل إنذار حي يتعلق بقدرة النباتات والغطاء الأخضر على الحفاظ على دورات الكربون والماء والنيتروجين التي تنظم نظام الأرض بأكمله.

أراضي العالم مهددة

وفي قلب هذا التحذير، تبرز دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كواحدة من أكثر المناطق تضرراً، حيث تظهر الخريطة العالمية الجديدة أن مصر والدول الخليجية غارقة في ألوان البرتقالي والأحمر والأرجواني الداكن، مما يعني مخاطر عالية تهدد الزراعة والمياه والاستقرار الاجتماعي.

هذه الدراسة الرائدة، التي أجراها باحثون من معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ في ألمانيا وجامعة بوكو في فيينا، النمسا، ونشرت اليوم في مجلة “One Earth”، تبني على إطار “الحدود الكوكبية” الذي يحدد الفضاء الآمن للبشرية.

وفقاً للدراسة، فإن سلامة البيوسفير الوظيفية هي عنصر أساسي إلى جانب فقدان التنوع البيولوجي وتغير المناخ، حيث تعتمد على تدفقات الطاقة من عملية التمثيل الضوئي في النباتات العالمية.

يقول فولفغانغ لوخت، منسق الدراسة ورئيس قسم تحليل نظام الأرض في معهد بوتسدام: “يضع الإطار الآن تدفقات الطاقة من التمثيل الضوئي في نباتات العالم في قلب العمليات التي تنظم استقرار الكوكب”، ويضيف: “هذه التدفقات تدفع كل الحياة، لكن البشر الآن يحولون جزءاً كبيراً منها لأغراضهم الخاصة، مما يعطل العمليات الديناميكية الطبيعية”.

لقياس هذا الضغط، اعتمد الباحثون على مؤشرين رئيسيين: الأول يقيس النسبة المئوية من الإنتاجية البيوماسية الطبيعية التي يستخدمها البشر (مثل المحاصيل والخشب والمخلفات الزراعية)، بالإضافة إلى انخفاض النشاط التمثيل الضوئي بسبب تحويل الأراضي إلى زراعة أو بناء.

أما الثاني، فيسجل مخاطر عدم استقرار النظم البيئية من خلال تغييرات معقدة في الغطاء النباتي وتوازنات الماء والكربون والنيتروجين.

مؤشرات وخرائط تكشف جودة أراضي العالم

باستخدام نموذج بيوسفير عالمي متقدم يُدعى LPJmL، الذي يحاكي تدفقات الماء والكربون والنيتروجين بدقة تصل إلى نصف درجة من الطول والعرض الجغرافيين، تمكن الفريق من رسم خريطة شاملة لصحة البيوسفير منذ عام 1600.

النتائج مذهلة: بحلول عام 1900، كانت 37% من الأراضي العالمية خارج المنطقة الآمنة، و14% في الخطر العالي، مما يشير إلى أن التأثيرات البشرية بدأت مع الصناعة والزراعة المكثفة قبل انتشار الاحترار المناخي.

اليوم، تجاوز الحدود الكوكبية يغطي معظم الأسطح الأرضية، خاصة في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، حيث أدى تحويل الأراضي للزراعة إلى تآكل الغطاء الطبيعي.

الخريطة المرفقة، التي تمثل قمة الدراسة، تُظهر تدرجاً لونياً يعكس درجات الخطر: الأخضر لـ”الفضاء التشغيلي الآمن”، البرتقالي لـ”منطقة عدم اليقين”، الأحمر لـ”منطقة الخطر العالي”، والأرجواني الداكن لـ”المتغير التحكمي” الذي يشير إلى مناطق حيث يسيطر البشر تماماً على الإنتاجية البيوماسية، مثل الصحاري المحولة أو المناطق الحضرية.

وفي التركيز على دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تكشف الخريطة عن كارثة محتملة: مصر، التي تعتمد على نهر النيل كشريان حياة، تظهر مزيجاً من البرتقالي والأحمر في دلتا النيل والمناطق الزراعية، مما يعني أن 70-80% من أراضيها قد تكون في منطقة عدم اليقين أو الخطر العالي بسبب الزراعة المكثفة والجفاف المتزايد.

أما دول الخليج مثل السعودية والإمارات وقطر، فهي غارقة في الأرجواني الداكن، خاصة في المناطق الصحراوية الواسعة، حيث يُسيطر البشر على القليل من الإنتاجية الطبيعية من خلال الري الاصطناعي والمشاريع الزراعية، لكن ذلك يعرضها لمخاطر انهيار النظم البيئية مع ارتفاع درجات الحرارة.

في شمال أفريقيا، مثل ليبيا والجزائر وتونس، يسيطر اللون الأحمر على السواحل والمناطق الداخلية، حيث يعاني الغطاء النباتي من التصحر المتسارع، مما يهدد 50-60% من الأراضي بالتحول إلى مناطق غير صالحة للزراعة بحلول عام 2050، وفقاً لتقارير سابقة من البنك الدولي.

هذه المناطق، التي تشكل جزءاً من حوض البحر المتوسط، تواجه تهديداً مزدوجاً: نقص المياه بنسبة تصل إلى 40% بحلول عام 2030، وارتفاع مستوى سطح البحر الذي قد يغمر دلتا النيل في مصر، مما يؤثر على 10 ملايين شخص.

أراضي الدول العربية مهددة

المنطقة العربية، التي تضم أكثر من 400 مليون نسمة، هي من أكثر المناطق عرضة لتجاوز حدود البيوسفير، حيث يعتمد الاقتصاد على الزراعة والنفط، لكن المناخ يتغير بسرعة مذهلة.

وفقاً لتقرير كارنيجي، يؤدي تغير المناخ إلى تضخيم مشكلات الحوكمة واللامساواة الاجتماعية، مع ارتفاع درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية في الصيف، مما يقلل من الإنتاجية الزراعية بنسبة 20-30% في دول مثل مصر والعراق.

في الخليج، حيث يُعتبر الري الاصطناعي حلاً، يؤدي الاستنزاف الزائد للمياه الجوفية إلى انخفاض مستوياتها بنسبة 1-2 متر سنوياً، مما يعزز التصحر ويجعل 90% من الأراضي غير قابلة للزراعة الطبيعية.

تاريخياً، بدأت المشكلة في المنطقة مع الثورة الزراعية في القرن العشرين، حيث زاد استخدام الأسمدة والري المكثف، لكن الدراسة تظهر أن التغييرات بدأت أبكر، منذ القرن السابع عشر مع التوسع الاستعماري.

اليوم، يرتبط تجاوز الحدود بالاحترار المناخي، حيث يفقد الشرق الأوسط 1.5% من إجمالي ناتجه المحلي الإجمالي سنوياً بسبب الجفاف والفيضانات، وفقاً للأمم المتحدة.

كما أن الهجرة المناخية تهدد: بحلول عام 2050، قد يُهجر 20-30 مليون شخص في الشرف الأوسط وشمال أفريقيا بسبب نقص المياه والغذاء، خاصة في سوريا واليمن، حيث أدى الجفاف إلى تفاقم النزاعات.

فابيان شتينزل، مؤلف الدراسة الرئيسي، يؤكد: “هناك حاجة هائلة لاستخدام البيوسفير في الطعام والمواد الخام، وفي المستقبل للحماية المناخية أيضاً. لذا، من المهم قياس الضغط الذي نضعه عليها لتحديد التحميل الزائد”.

أما يوهان روكستروم، مدير معهد بوتسدام، فيصف الخريطة بأنها “اختراق علمي” يربط بين البيوماس والمصارف الكربونية الطبيعية، مطالب الحكومات بحماية البيوسفير مع العمل المناخي القوي.