
يستمر الحوثيين في هجماتهم على السفن التجارية في البحر الأحمر، ويبدو أن مصالح الصين في خطر لأنها ثاني أكبر شريك لإسرائيل.
وشهد مؤشر شنغهاي للشحن بالحاويات، وهو معيار لنقل البضائع المستوردة من الصين، ارتفاعًا كبيرًا بنسبة 161٪، مما يشير إلى ارتفاع تكاليف التجارة العالمية للصين وهناك أضرار مختلفة ستحصدها بكين من هجمات الحوثيين.
وتهد الصين من أكبر المتضررين في اضطرابات البحر الأحمر حتى الآن، خصوصا وأن أكثر من نصف احتياجاتها من النفط والغاز تأتي من الشرق الأوسط إضافة إلى أنها تعتمد على التصدير إلى أوروبا أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم ذلك ترفض بكين المشاركة في التحالف الدولي للدفاع عن الملاحة البحرية التجارية في البحر الأحمر والتي وجهت قبل أيام ضربات عسكرية لجماعة أنصار الله في اليمن.
ولأن البحر الأحمر عبارة عن ممر بحري يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، ويتدفق حوالي 10% من التجارة الدولية و40% من تجارة آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر، هذا ما يجعله أحد أهم الشرايين للتجارة العالمية، وباختصار بالنسبة للصينيين، يعد البحر الأحمر بوابة رئيسية للمنتجات الصينية لدخول الأسواق الأفريقية والأوروبية والعربية والأمريكية، نظرا لموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط مرورا بقناة السويس.
هناك متضررون كثر بالطبع من هجمات الحوثيين، إذ نجد أن مصر قد لاحظت تراجعا قياسيا في عائدات قناة السويس تجاوز 40 في المئة خلال يناير وهو ما يضر بالعملة المصرية وتدفق النقد الأجنبي على الاحتياطي النقدي المتآكل في البلاد.
وبالنسبة للولايات المتحدة لا تعتمد كثيرا على هذه الطريق التجارية وليس لها مصالح مباشرة فيه، إنما تخشى من خلال هذه الهجمات أن ترتفع أسعار النفط وبالتالي ارتفاع أسعار الخدمات والمنتجات ومعدلات التضخم التي يحاربها البنك المركزي الأمريكي منذ عامين.
ولا يقتصر الأمر على أن الصين تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز المستورد. إن حقيقة أن البحر الأحمر قريب من المكان الذي يتم فيه استخراج معظم الغاز والنفط في العالم توفر سببًا إضافيًا لحمايته، وسوف يلحق الضرر بالصين كلما تعطلت “نقاط الاختناق” هذه، وهو ما يؤثر على سلسلة التوريد العالمية في هذه العملية.
بالنسبة للصين، الحوثيون إرهابيون، وقد أمضت العامين الماضيين في دعم أي قرارات للأمم المتحدة تصنفها جماعة إرهابية، مما يدل على أن الحوثيين يثيرون غضب بكين بشكل واضح ولا تعتبرهم حلفاء.
وعندما صنفتهم الولايات المتحدة كإرهابيين، لم تهب بكين للدفاع عنهم، بل أكدت فقط على حقيقة أن الاستقرار الإقليمي معرض للخطر، وهو ما يعني في الأساس المصالح الصينية.
على الرغم من أن الحوثيين كانوا يهاجمون السفن الإسرائيلية فقط في البداية، إلا أنهم منذ قصف اليمن، بدأوا في ضرب السفن الأمريكية والبريطانية أيضًا، الأمر الذي يكلف الصين بالنظر إلى أن كلا البلدين يعتمدان على الصناعات والسلع الصينية، لكن أكثر من ذلك، فإنهم يرون أن جهودهم في الشرق الأوسط، التي توسطت فيها السعودية وإيران في الهدنة، معرضة لخطر الانهيار والتأثير على أعمالهم.
وهم ليسوا أغبياء، فهم يعلمون أن الحوثيين لا يهاجمون السفن الصينية حتى الآن، ولكن عندما تخطط أوروبا لنشر تحالفها في الشرق الأوسط، ستزداد الأمور سخونة وستكون السفن الصينية معرضة للخطر، وسيتم ضرب السفن الصينية التي تتجه إلى أوروبا.
لكن أحد الأسباب الرئيسية وراء هدوء الصين هي أنها تتبع سياسة عدم التدخل، وعلى النقيض من الولايات المتحدة، فإنهم يحبون السماح للدول والأمم بمعالجة شؤونهم الخاصة على انفراد دون التدخل كثيرا، ويفضلون بدلا من ذلك النهج الدبلوماسي.
والسبب الآخر هي أنها لا تريد استفزاز العالم الإسلامي بعد، ويُنظر إلى الحوثيين على أنهم أبطال العالم الإسلامي، وهي لا تريد أن تعارض صورة البطل وأن تظهر كحليفة للصين إسرائيل، لقد رأت ما حدث لماكدونالدز وستاربكس، وكيف تمت مقاطعتهم وتخشى مقاطعة مماثلة للمنتجات الصينية.
والسبب الآخر هو حقيقة أن نفوذ إيران ينمو داخل المنطقة، وهي التي تدعم حماس وحزب الله وأنصار الله والحشد الشعبي وهم أطراف يهاجمون إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، بينما تدعم السعودية السلام والتطبيع الإسرائيلي العربي بشرط بناء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وهي رواية لا تدعمها معظم الشعوب العربية التي تنحاز إلى الشعارات اليسارية والإخوانية والشيعية.
حتى الآن تلعب الصين دورها بأمان بعيدًا عن الخطوط الجانبية، ولكن قريبًا عندما يتورط الغرب بأكمله في البحر الأحمر، سيكون عليها أن تحسم موقفها بصراحة وتدافع عن مصالحها التي أصبحت في خطر، بإمكانها الضغط على ايران التي تتحكم في الحوثيين لكن حتى هذه الورقة غير مضمونة.
إقرأ أيضا:
هجمات الحوثيين على إسرائيل أم ضرب لاقتصاد مصر والسعودية؟
الرابحون والخاسرون من هجمات البحر الأحمر
كيف خسرت دول الخليج العربي اليمن لصالح الدمار؟
