عبدالله رشدي

يثير الإنتشار الواسع لمؤيدي الداعية المصري عبدالله رشدي على مواقع التواصل الاجتماعي أسئلة مشروعة في الفضاء الإعلامي لا بد من طرحه لفهم هذه الظاهرة.

لماذا يتركّز هذا الجمهور في شرائح بعينها من المجتمع؟ ولماذا يتفاعل بهذه الحدّة مع خطاب ديني قائم على القوامة والتفوّق الذكوري والصدام الدائم مع المرأة والخصوم الفكريين؟

هذا السؤال لا يُجاب عنه بالوعظ ولا بالتجريم الأخلاقي، بل بقراءة اجتماعية وسياسية مباشرة لطبيعة الخطاب، وللبيئة التي يجد فيها رواجًا واستقرارًا.

جمهور محكوم بالهشاشة النفسية والإجتماعية

الملاحظة الأولى التي يصعب تجاهلها أن هذا الخطاب يجد حاضنته الأساسية في فئات تعاني من الهشاشة الاقتصادية، محدودية التعليم، وانسداد الأفق الإجتماعي، وهي فئات لا تمتلك أدوات التفكير النقدي الكافي، ولا فرص الصعود الواقعي التي تمنح الإنسان شعورًا بالقيمة والاعتراف.

في هذا السياق، لا يصبح الخطاب الديني وسيلة تهذيب أو بناء أخلاقي، بل يتحول إلى أداة تعويض نفسي، تُستخدم لتسكين الإحباط المزمن الناتج عن الفقر، الكبت، والعجز عن تحقيق أي شكل من أشكال النجاح الاجتماعي.

إن هذا التعويض النفسي هو الذي يبحث عنه الشباب الفاشلين خصوصا الرجال الذين لم يستطيعوا لسبب من الأسباب الإندماج في الواقع الجديد حيث تزاحم النساء الرجال في الوظائف والموارد.

جمهور عبدالله رشدي هش ماليا ونفسيا وحتى أخلاقيا وهذا ما يحكم تصرفاتهم، حيث ليست لديهم القدرة على نقاش صحي في منصات التواصل أو الدفاع عن أفكارهم دون التحريض على خصومهم الفكريين.

أخطر ما في هذا الخطاب أنه يوفّر لجمهوره مهربًا دائمًا من محاسبة النفس. بدل الاعتراف بالضعف والعمل على تجاوزه، يُمنح الفرد تفسيرًا جاهزًا يُلقي بالمسؤولية على الآخرين، وبدل بناء قيمة حقيقية يمنح أتباعه شعورًا زائفًا بالتفوّق.

ومع مرور الوقت، يتحول هذا الجمهور إلى كتلة صاخبة، لا تحاجج ولا تناقش، بل تهاجم وتسبّ وتدافع بعصبية عن خطاب يمنحها الشعور بالتفوق رغم واقعها السيء.

وقد رأينا ذلك في هجومهم بمنصات التواصل على الحسابات والصفحات المنتقدة لخطاب عبدالله رشدي أو حتى تلك التي تغطي مشاكله وعثراته حيث تعتبر ذلك نصرة له.

وينبغي الإشارة إلى أن هناك الكثير من السلفيات والمنتقبات اللائي يدعمن خطابه لتكريس الذكورية السامة وفرضها على بقية نساء العالم كنوع من الإنتقام على قمعهن ومعاناتهن.

كما أن هذه الفئة من النساء يحتقرن فعلا أنفسهن وهن مقتنعات بأنهن أنصاف بشر وفي مرتبة أدنى من الرجل ويدعمن الخطاب علنا للعثور على شريك حياة مثل عبدالله رشدي الذي تكتمل فيه مواصفات الجلاد المثالي لهن.

من الدين إلى الخدمة النفسية الرخيصة

لا يقدّم هذا الخطاب إجابات عن كيفية تحسين الواقع، ولا يطرح مشروعًا أخلاقيًا أو معرفيًا متماسكًا، ما يقدّمه هو خدمة نفسية فورية حيث يخبر الشاب الهش بأنه أعلى وأكثر قيمة وأن مشكلته الحقيقية هي المرأة.

بهذا المعنى، يتحول الدين من منظومة قيم إلى مخدّر اجتماعي، يمنح شعورًا لحظيًا بالتفوّق دون أي التزام بالعمل أو المسؤولية أو الإنجاز الحقيقي.

وهذا ما يفسّر سرعة انتشار هذا الخطاب داخل بيئات الإحباط، حيث يسهل بيع الوهم أكثر من بناء الإنسان أو اصلاح المشاكل أو مواجهة نفسه.

يرتكز الخطاب على مفاهيم مثل القوامة، والطاعة، والسيطرة، وتقديم الرجل بوصفه قائدًا مطلقًا، مقابل تصوير المرأة ككائن تابع أو خطر محتمل إذا مُنحت الحرية.

هذه الرسائل تلقى صدى قويًا لدى شباب يعانون من الفشل في تكوين علاقات مستقرة، أو من العجز عن الزواج، أو من الإقصاء الاجتماعي والإقتصادي.

هذه المفاهيم تُقدَّم باعتبارها حقوقًا طبيعية، لا مسؤوليات أخلاقية، وتُوظَّف لتحويل الرجل المحبط إلى “سيّد” داخل خطاب، لا داخل واقع.

الشاب الذي يعجز عن الزواج، أو عن بناء علاقة إنسانية متوازنة، أو عن تحقيق استقرار اقتصادي، يجد في هذا الخطاب تفسيرًا مريحًا لفشله، المشكلة ليست فيه، بل في “تحرر المرأة”، أو في “المجتمع”، أو في “المؤامرة على الرجولة”.

من اللافت أن هذا الخطاب لا يحظى بانتشار يُذكر بين الفئات التي نجحت مهنيًا أو اقتصاديًا، أو التي راكمت رأس مال ثقافي حقيقي.

من بنى نفسه بالعمل وتحمّل المسؤولية وخاض تجارب إنسانية ناضجة يعرف جيدا أن الرجولة لا تُختصر في السيطرة، وأن الجنس الآخر لا يشكل أي خطر عليه بل إنه شريك وداعم في بناء البشرية.