
بدأت بصورة قط نشرها حساب تركي صغير لا يتابعه سوى عشرات الأشخاص، وانتهت خلال أيام إلى مواجهة ضخمة بين مستخدمين أتراك وصينيين على منصة X، استُحضرت فيها الإمبراطوريات القديمة وسور الصين العظيم والاقتصاد والأويغور وحتى شخصيات سبونج بوب، قبل أن تنضم حسابات من اليابان وتايوان وأذربيجان ودول أخرى إلى ما أطلق عليه بعض المستخدمين ساخرين حرب تويتر الأولى.
المفارقة أن الشرارة لم تأت من شخصية سياسية أو حساب إعلامي ضخم، بل من منشور ساخر لحساب تركي محدود التأثير في 19 أكتوبر 2026. وبعد أن رد عليه مستخدم صيني بصورة تسخر من العلم التركي، خرج النقاش سريعًا من دائرة المزاح بين حسابين إلى ملايين المشاهدات ومواجهة قومية رقمية عبر الحدود.
كل شيء بدأ بقط يرتدي قبعة من القش
بحسب التغطيات التركية والدولية التي تتبعت بداية القصة، نشر الحساب التركيBarkinResmii@، الذي كان يملك نحو 85 متابعًا وقتها، صورة لقط بملامح نمطية ساخرة، يرتدي قبعة من القش وله شارب رفيع.
لم يكن المنشور في بدايته حدثًا كبيرًا، لكن أحد المستخدمين الصينيين شاهده ورد عليه بصورة لشخصية بسيط نجم البحر «Patrick Star» من مسلسل سبونج بوب، وهي تهبط بمظلة بجوار العلم التركي، مع سؤال ساخر عما إذا كان تصميم العلم مستوحى من هذا المشهد.
وبحسب الأرقام المتداولة مع المنشورات، تجاوزت صورة القط مليوني مشاهدة، بينما حقق الرد الصيني عدة ملايين أخرى، لتبدأ عندها موجة الردود الجماعية.
الأتراك يردون بسور الصين العظيم
لم يتأخر الرد التركي كثيرًا، إذ بدأ مستخدمون بنشر صور وميمز عن سور الصين العظيم، مرددين الرواية الشعبية التي تقول إن بناءه كان بهدف حماية الصين من القبائل والمحاربين الأتراك القدماء.
ومن هنا خرج السجال من الصور الطريفة إلى التاريخ، إذ رد مستخدمون صينيون بالتشكيك في ربط تركيا الحديثة مباشرة بكل الشعوب التركية القديمة، وسخر بعضهم من المسافة الجغرافية الهائلة بين تركيا الحالية والصين.
لكن ذلك لم ينهِ الجدال، بل وسّعه؛ فكل رد أصبح مدخلًا إلى موضوع تاريخي جديد، من الإمبراطوريات التركية القديمة إلى العلاقات بين شعوب آسيا الوسطى والصين.
من التاريخ إلى الاقتصاد والأويغور
بدأ مستخدمون أتراك وصينيون بتبادل المقارنات حول الاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية والهوية القومية، ثم دخل ملف الأويغور إلى النقاش، وهو أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الشعبية بين قوميين أتراك والصين.
كما امتدت السخرية إلى قيمة العملات، والمنتجات المحلية، والثقافة الشعبية، وحتى تقييمات الأفلام والمسلسلات على IMDb، وفق تغطيات تركية تابعت السجال.
وتقدم روايات صينية متداولة تفسيرًا مختلفًا قليلًا لبداية المواجهة، إذ تربطها بنقاش سابق حول هوية الأويغور والانتماء التركي، قبل أن تصبح صورة القط ورد «Patrick Star» أكثر اللحظات انتشارًا في السجال. لذلك يصعب تحديد منشور وحيد باعتباره البداية المطلقة، لكن صورة القط ورد العلم هما اللقطتان اللتان دفعتا المواجهة إلى الانتشار الواسع.
اليابانيون والتايوانيون يدخلون المعركة
ما جعل القصة أكثر طرافة هو أن المواجهة لم تبق حكرًا على الصينيين والأتراك.فمع انتشار الميمز، بدأت حسابات من اليابان وتايوان وأذربيجان وإسبانيا ودول أخرى بالتعليق والانحياز إلى طرف أو السخرية من الاثنين، وظهرت حتى خرائط ساخرة تقسم الدول إلى «تحالفات» كما لو كانت هناك حرب عالمية رقمية حقيقية.
وكتبت بعض الحسابات أن الأمر أصبح أشبه بـ«الحرب العالمية الأولى على X»، بينما شاع تعبير «First Twitter War» لوصف المعركة التي لم تستخدم فيها أسلحة سوى الصور والميمز والاستدعاءات التاريخية.
حسابات صغيرة تصنع ملايين المشاهدات
أحد أكثر الجوانب إثارة في القصة هو أن الحسابات التي أشعلت المواجهة لم تكن مؤثرة أصلًا. فالحساب التركي الذي ارتبط بأولى الصور كان يملك نحو 85 متابعًا فقط، ومع ذلك أدى منشور واحد إلى سلسلة من التفاعلات وصلت إلى ملايين المستخدمين، في مثال واضح على الطريقة التي يمكن لخوارزميات X أن تضخم بها محتوى صغيرًا عندما يصبح قابلًا لإعادة الاستخدام والسخرية والرد.
ومع كل رد جديد، كانت الخوارزمية تدفع المعركة إلى جمهور أوسع، ثم تدخل حسابات أكبر، فتزداد المشاهدات ويتحول خلاف مجهول بين شخصين إلى حدث دولي على الشبكات الاجتماعية.
اتهامات بوجود حسابات آلية صينية
مع ضخامة عدد الردود، ظهرت أيضًا ادعاءات بأن جزءًا من المشاركة الصينية قد يكون مدفوعًا بحسابات آلية أو محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي.
بعض المواقع التركية تحدثت عن اشتباه في مشاركة حسابات صينية آلية، لكن هذه المزاعم لم تُثبت بصورة مستقلة، ولذلك تبقى في إطار التكهنات المرتبطة بحجم التفاعل غير المعتاد.
وبغض النظر عن طبيعة كل الحسابات المشاركة، فإن المواجهة نفسها كانت حقيقية من حيث الانتشار، وتحولت إلى واحدة من أكثر القصص غرابة على X خلال أكتوبر.
حرب بلا منتصر.. لكنها صنعت ميمزًا بالملايين
ليس هناك منتصر فعلي في هذه الحرب، ولا يبدو أن أحد الطرفين أقنع الآخر بشيء يتعلق بالتاريخ أو السياسة.
لكن ما حدث يكشف جانبًا لافتًا من الإنترنت المعاصر: قومية رقمية شديدة الحساسية يمكن أن تتحول في ساعات إلى ترفيه جماعي عالمي، بينما تصبح الرموز الوطنية والتاريخ القديم أدوات لصناعة النكات والميمز.
بدأ كل شيء بقط وقبعة من القش، ثم جاء «بسيط نجم البحر» والعلم التركي، وبعد أيام كانت حسابات من عدة دول تتعامل مع الأمر كأنه حرب عالمية مصغرة.
وربما لهذا نجحت تسمية حرب تويتر الأولى؛ فهي لم تكن حربًا فعلية بالطبع، لكنها كانت مثالًا مثاليًا على قدرة منصة اجتماعية واحدة على تحويل منشور مجهول إلى مواجهة قومية يشاهدها الملايين.
