
تحولت جزيرة خارك خلال الأيام الأخيرة من منشأة نفطية حساسة إلى عنوان مركزي في الحرب الدائرة على إيران، بعدما استهدفتها ضربات أمريكية قالت واشنطن إنها طالت مواقع عسكرية على الجزيرة، فيما وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها “جوهرة التاج” في البنية النفطية الإيرانية.
ويعود هذا الوصف إلى حقيقة بسيطة لكنها شديدة الخطورة: جزيرة خارك تمر عبرها الغالبية الساحقة من صادرات النفط الخام الإيراني، ما يجعلها في نظر الأسواق والخبراء واحدة من أكثر النقاط هشاشة في الاقتصاد الإيراني كله.
الموقع الجغرافي لجزيرة خارك
تقع جزيرة خارك على بعد يقارب 26 إلى 30 كيلومترًا من الساحل الإيراني في الخليج، وهي ليست جزيرة كبيرة أو كثيفة السكان بالمعنى التقليدي، لكنها تملك وزنًا استراتيجيًا يفوق مساحتها بكثير.
فبحسب تقديرات نقلتها رويترز استنادًا إلى مذكرة من جيه بي مورغان، تتولى الجزيرة نحو 90% من صادرات إيران من النفط الخام، وهو ما يجعل أي تهديد لها بمثابة تهديد مباشر لشريان العملة الصعبة الرئيسي في البلاد.
كما تشير التقديرات إلى أن مرافقها التخزينية تستوعب نحو 30 مليون برميل، مع وجود مخزونات فعلية بلغت نحو 18 مليون برميل في مطلع مارس.
لماذا تعد جزيرة خارك مهمة إلى هذه الدرجة؟
السبب الأول يتعلق بالجغرافيا، فالكثير من السواحل الإيرانية القريبة من الخليج ليست عميقة بما يكفي لاستقبال ناقلات النفط العملاقة، ولهذا تحولت جزيرة خارك منذ توسع صناعة النفط الإيرانية في الستينيات والسبعينيات إلى منفذ مثالي للتحميل والتصدير.
وبفضل عمق المياه المحيط بها، صارت الجزيرة قادرة على استقبال ناقلات عملاقة لا تستطيع الرسو بسهولة على أجزاء واسعة من الساحل الإيراني الرئيسي.
ولهذا، فإن جزيرة خارك ليست مجرد محطة تصدير، بل البنية التي تجعل تصدير كميات ضخمة ممكنًا أصلًا.
السبب الثاني اقتصادي بحت. فإيران، التي تعد رابع أكبر منتج للنفط الخام داخل أوبك وفق التقارير المتداولة، تعتمد على عوائد النفط لتمويل جزء كبير من موازنتها وشبكات نفوذها الاقتصادية والأمنية.
وقد وصفت مذكرة جيه بي مورغان جزيرة خارك بأنها “حجر زاوية” في الاقتصاد الإيراني، كما أشارت إلى أنها تشكل مصدر دخل مهمًا لـ الحرس الثوري الإيراني الذي يملك مصالح اقتصادية واسعة داخل البلاد.
هذا يعني أن استهداف الجزيرة لا يضغط فقط على إيرادات الدولة المركزية، بل يضغط أيضًا على مراكز القوة داخل النظام نفسه.
ماذا حدث في الضربات الأخيرة؟
بحسب رويترز وتقارير أخرى متقاطعة، نفذت الولايات المتحدة ضربات جوية على مواقع عسكرية في جزيرة خارك يوم السبت، مع تأكيد واشنطن أنها تجنبت، على الأقل في هذه المرحلة، تدمير البنية النفطية نفسها.
ترامب قال على منصة “تروث سوشيال” إنه اختار “لأسباب تتعلق باللياقة” ألا يمحو البنية النفطية للجزيرة، لكنه حذر في الوقت نفسه من أنه قد يعيد النظر في ذلك فورًا إذا استمرت إيران أو غيرها في تهديد الملاحة الحرة والآمنة في مضيق هرمز.
في المقابل، قال مسؤول إيراني محلي نقلًا عن وكالة إرنا إن عمليات الشركات النفطية في محطة التصدير على الجزيرة تستمر بصورة طبيعية، وإن الضربات لم تسفر عن قتلى.
وهذه الرواية الإيرانية تحاول على الأرجح تبريد أثر الحدث في الداخل والأسواق، لكنها لا تلغي أن مجرد استهداف الجزيرة يرسل رسالة استراتيجية قوية: المنفذ النفطي الأهم لإيران أصبح داخل بنك الأهداف.
جزيرة خارك ومضيق هرمز
لا يمكن فهم أهمية جزيرة خارك بمعزل عن مضيق هرمز. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال البحرية في العالم في الظروف العادية، يشهد حاليًا اضطرابًا حادًا بعد الهجمات الإيرانية وتعطل حركة السفن.
وإذا كانت إيران تستخدم المضيق كورقة ضغط عالمية، فإن جزيرة خارك تمثل في المقابل ورقة خنق داخلية يمكن للولايات المتحدة أو إسرائيل استخدامها ضد إيران نفسها.
بمعنى آخر: هرمز هو أداة إيران لتهديد العالم، أما خارك فهي نقطة ضعف إيران أمام العالم.
هذا التداخل بين خارك وهرمز يفسر لماذا تبدو الجزيرة أكبر من مجرد منشأة نفطية، فهي تقع داخل مسرح واحد يربط تصدير النفط الإيراني، وحركة الناقلات الخليجية، وأمن الطاقة العالمي، والردع العسكري الأمريكي. ولهذا، فإن أي تصعيد ضدها قد يرفع كلفة الحرب على الجميع، لا على طهران وحدها.
هل تستطيع إيران تجاوز جزيرة خارك؟
إيران حاولت بالفعل خلال السنوات الأخيرة تقليل اعتمادها على هذه النقطة الحساسة، ولهذا افتتحت في 2021 محطة جاسك الواقعة خارج عنق زجاجة مضيق هرمز، على خليج عمان.
الهدف كان واضحًا: تنويع منافذ التصدير والحد من الاعتماد شبه الكامل على خارك، لكن رغم هذه الخطوة، ما تزال جزيرة خارك تحتفظ بمكانتها المركزية، وتبقى، وفق تقدير جيه بي مورغان، “ثغرة حرجة” في منظومة النفط الإيرانية.
بمعنى أدق، جاسك تعطي إيران بديلًا جزئيًا، لكنها لم تنتزع من خارك صفة القلب التصديري الحقيقي للنفط الإيراني.
ماذا يعني ضرب جزيرة خارك لأسواق النفط؟
إن أي ضربة مباشرة للبنية التصديرية في خارك يمكن أن توقف معظم صادرات النفط الخام الإيرانية فورًا، وأن هذا قد يخرج ما يصل إلى مليوني برميل يوميًا من السوق العالمية.
في سوق يعاني أصلًا من تعطل الملاحة في هرمز وارتفاع المخاطر على البنية التحتية في الخليج، سيكون هذا التطور كفيلًا بإشعال موجة جديدة من ارتفاع الأسعار وربما توسيع نطاق الردود الإيرانية ضد منشآت الطاقة الإقليمية.
ولهذا السبب بدا ترامب حذرًا في خطابه، إذ ألمح إلى قدرته على تدمير البنية النفطية لكنه لم يفعل بعد. فالضربة التي تسكت صادرات إيران قد تشل أيضًا جزءًا من التوازن الهش في السوق العالمية، وترفع فاتورة الطاقة على حلفاء واشنطن أنفسهم.
