
في مؤتمر صحفي عقد مؤخراً في القصر الرئاسي اللبناني ببيروت، أثار المبعوث الأمريكي الخاص توماس باراك، الذي يشغل منصب مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، جدلاً واسعاً بعد أن وصف سلوك الصحفيين المحليين بالـ”فوضوي” و”الحيواني”.
كان باراك يتحدث عن قضايا حساسة تتعلق بالأزمة السورية والتوترات في لبنان، عندما اندلع صخب بين الصحفيين الذين تسابقوا لطرح أسئلتهم.
توقف باراك فجأة وقال: “أرجوكم اصمتوا للحظة، في اللحظة التي يصبح فيها هذا الوضع فوضوياً وحيوانياً، سنرحل من هنا”، ثم أضاف مطالباً إياهم بالتصرف بطريقة “حضارية”، معتبراً أن الفوضى هي “المشكلة التي تعاني منها المنطقة بأكملها”.
هذه الكلمات، التي أثارت استياءً فورياً، جاءت في سياق زيارة رسمية تهدف إلى تهدئة التوترات الإقليمية، لكنها انتهت بإشعال جدل دبلوماسي.
ردت الرئاسة اللبنانية بسرعة، معبرة عن أسفها العميق للكلام الذي صدر من على منبرها من قبل أحد ضيوفها. في بيان رسمي، أكدت الرئاسة تقديرها لجميع الصحفيين والمندوبين الإعلاميين المعتمدين، مشددة على أن مثل هذه التصريحات لا تعكس الروابط الودية بين لبنان والولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن باراك نفسه اعتذر لاحقاً، موضحاً أن كلماته كانت تعبر عن إحباطه من الفوضى في المنطقة، وليس إهانة شخصية للصحفيين.
وفي تصريحات لاحقة، أكد أن تعليقه يعكس واقعاً إقليمياً أوسع، حيث الفوضى تسيطر على كثير من الدول العربية، مما يعيق أي تقدم نحو السلام أو الاستقرار.
لكن هل كان باراك مخطئاً في وصفه؟ بالعكس، إنه محق تماماً، الشرق الأوسط، هذه المنطقة الغنية بالتاريخ والحضارات، غارق في بحر من الفوضى والعنف الذي يشبه في كثير من جوانبه السلوكيات الحيوانية البدائية، حيث يغلب قانون الغابة على أي شكل من أشكال الحوار أو التعايش السلمي.
الفوضى ليست مجرد حدث عابر، إنها سمة بنيوية تعاني منها المنطقة منذ عقود، تغذيها الصراعات الدينية، الطائفية، والسياسية التي تحول الدول إلى ساحات قتال مفتوحة.
وإذا كان باراك قد أثار الجدل بكلماته، فإنها في الواقع تعكس حقيقة مريرة: الشرق الأوسط يعاني من فوضى مزمنة تحول دون أي تقدم حقيقي، وتجعله عرضة للحروب الدائمة وسفك الدماء.
دعونا ننظر إلى لبنان نفسه، المكان الذي وقعت فيه الحادثة. لبنان، الذي كان يُعرف ذات يوم بـ”سويسرا الشرق الأوسط”، تحول إلى دولة فاشلة تعاني من انهيار اقتصادي شامل، فساد سياسي متجذر، وتوترات طائفية لا تنتهي.
حزب الله، الذي يسيطر فعلياً على جزء كبير من الدولة، يخوض صراعات إقليمية نيابة عن إيران، مما يجعل الحدود الجنوبية مع إسرائيل ساحة قتال مستمرة.
في السنوات الأخيرة، شهد لبنان انفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة مئات الأشخاص ودمر عاصمته، دون أن يتم محاسبة المسؤولين حتى اليوم.
الفوضى هنا ليست مجرد وصف، إنها واقع يومي يعيشه اللبنانيون، حيث يتنافس السياسيون على السلطة بينما يعاني الشعب من نقص الكهرباء، الغذاء، والدواء.
وفي مؤتمر باراك، كان الصخب بين الصحفيين مجرد عينة صغيرة من هذه الفوضى التي تخترق كل جوانب الحياة اليومية.
أما سوريا، الجارة الشرقية للبنان، فهي مثال صارخ على كيف يمكن للفوضى أن تدمر دولة بأكملها، منذ اندلاع الثورة في 2011، تحولت سوريا إلى ساحة حرب أهلية متعددة الأطراف، شارك فيها نظام بشار الأسد المدعوم من روسيا وإيران، والمعارضة المدعومة من تركيا والغرب، بالإضافة إلى تنظيمات إرهابية مثل داعش والقاعدة.
أكثر من نصف مليون قتيل، ملايين النازحين، ومدن مدمرة تماماً مثل حلب وحمص. اليوم، في عام 2025، لا تزال سوريا غارقة في الفوضى، مع مناطق سيطرة مقسمة بين الحكومة، الكرد، والمعارضة، وانتشار الجريمة المنظمة والإرهاب.
الصراع هنا ليس سياسياً فحسب، بل له طابع ديني وطائفي عميق، حيث يقاتل السنة ضد العلويين، والمسلمين ضد المسيحيين والأكراد، هذه الفوضى جعلت سوريا مصدراً للاجئين والإرهاب الذي يهدد أوروبا والعالم بأسره.
لكن ربما يكون الصراع في غزة هو الأكثر دلالة على هذه الفوضى الحيوانية، إذ منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، وغزة تتحول إلى جحيم على الأرض.
ليس الصراع هنا مجرد نزاع إقليمي، إنه صراع ديني عميق الجذور بين المسلمين واليهود، يغديه الكراهية المتبادلة والدعوات المتزايدة للإبادة.
حماس، التي تسيطر على القطاع، لا تريد سلاماً حقيقياً، إنها ترفع شعارات الجهاد والمقاومة، مستخدمة المدنيين كدروع بشرية، بينما إسرائيل ترد بقوة مفرطة تحول المناطق السكنية إلى أنقاض.
حتى اليوم، لا تزال الحرب مشتعلة، مع أكثر من 50 ألف قتيل فلسطيني، وتدمير شامل للبنية التحتية، التقارير تتحدث عن مجاعة وشيكة، حيث يمنع الجيش الإسرائيلي دخول المساعدات، مما يدفع السكان إلى التنافس على الفتات مثل الحيوانات الجائعة.
هذه الفوضى ليست مقتصرة على غزة أو لبنان أو سوريا؛ إنها تمتد إلى اليمن، حيث يستمر الصراع بين الحوثيين المدعومين من إيران والحكومة المدعومة من السعودية، مما أدى إلى مجاعة أودت بحياة ملايين الأطفال منذ 2016. في السودان، الحرب الأهلية بين القوات المسلحة والدعم السريع تحولت إلى كارثة إنسانية، مع انتشار الاغتصاب والقتل العشوائي.
وحتى في العراق وليبيا، الدولتان اللتان شهدتا تدخلات أجنبية، تسيطر المليشيات والطائفية على المشهد، مما يجعل أي بناء دولة مستحيلاً.
الطابع الديني لهذه الصراعات هو السمة الأكثر خطراً، الشرق الأوسط، مهد الأديان الإبراهيمية، تحول إلى ساحة للكراهية الدينية.
الشيعة ضد السنة في العراق واليمن، المسلمون ضد اليهود في فلسطين، والمتطرفون الإسلاميون ضد المسيحيين في مصر وسوريا، تنظيمات مثل داعش والقاعدة تستغل هذه الكراهية لتبرير إرهابها، بينما الدول تستخدم الدين كأداة لتعبئة الشعوب.
