
خلال الأسابيع الأخيرة، شهد الفضاء الرقمي المغربي تحوّلًا لافتًا في المزاج العام، تمثّل في موجة غير مسبوقة من الخطاب المؤيد للتطبيع مع إسرائيل، ليس بوصفه خيارًا إيديولوجيًا أو عاطفيًا، بل باعتباره تموضعًا سياسيًا عقلانيًا يخدم المصالح العليا للمغرب في لحظة إقليمية معقّدة.
هذا التحول لم يأتِ في فراغ، بل تزامن مع تصاعد السلوك العدائي الجزائري، ومع حملات إعلامية أفريقية وعربية استهدفت المغرب بشكل مباشر، وبلغت ذروتها خلال نهائي كأس أمم أفريقيا الأخير، حين تحوّل الحدث الرياضي إلى منصة ابتزاز سياسي وإعلامي، استُغلت فيها الفوضى والضغط الجماهيري للتشويش على صورة التنظيم المغربي، وانتهت بانسحاب المنتخب السنغالي واستثمار اللحظة للفوز باللقب.
في هذا السياق المشحون، أعادت بعض وسائل الإعلام الترويج لتقرير يدّعي أن 89 في المئة من المغاربة يرفضون التطبيع مع إسرائيل، في محاولة واضحة لفصل الدولة عن شعبها، وتصوير قرار استئناف العلاقات كخيار مفروض من الأعلى، لا يحظى بأي قبول مجتمعي.
غير أن قراءة متأنية للتقرير، ولسياقه السياسي والمنهجي، تكشف أن هذا الرقم أقرب إلى خطاب تعبوي منه إلى توصيف علمي دقيق للواقع المغربي.
عزمي بشارة وراء المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
التقرير الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي يشرف عليه عزمي بشارة لا يمكن التعامل معه كمعطى محايد معزول عن خلفيته الفكرية والسياسية.
هذا المركز، المعروف بتبنيه سرديات “الممانعة” وتقاطعه مع أجندات إقليمية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة، دأب في تقاريره السابقة على إنتاج أرقام تُستخدم سياسيًا أكثر مما تُناقش علميًا.
الإشكال هنا لا يقتصر على النتائج، بل يمتد إلى الفرضيات المسبقة التي ينطلق منها المؤشر، وإلى السياق الذي يُقدَّم فيه.
فعندما يُنجَز استطلاع رأي في خضم حرب دامية، ويُربط سؤال التطبيع مباشرة بصور القصف والضحايا، فإن الإجابة تصبح انعكاسًا للحظة عاطفية، لا تعبيرًا عن موقف استراتيجي طويل المدى.
كما أن هذا المركز ومع احترامنا للقائمين عليه إلا أنه يعد واحدا من عشرات المراكز العربية والإقليمية التي توجه الرأي العربي من خلال اصدار أرقام لا علاقة لها بالواقع بل تحاول تغييره خدمة لأجندة واضحة.
أرقام تصطدم بالسلوك الواقعي للمجتمع
لو كان الرفض الشعبي للتطبيع في المغرب بهذه الكثافة التي يروّج لها التقرير، لما استمرّت العلاقات المغربية الإسرائيلية بهذا الزخم بعد سنوات من إعلانها، ولما شهدنا توسّعًا مطّردًا في مجالات التعاون الأمني والتقني والاقتصادي، ولا ارتفاعًا في عدد الزيارات المتبادلة، ولا هذا الحضور المتزايد لإسرائيل في النقاش العمومي المغربي، سواء في الإعلام أو على منصات التواصل الاجتماعي.
القبول الشعبي لا يُقاس فقط بما يُقال في استبيان مغلق، بل بما يمارسه الناس في حياتهم اليومية، وبالخطاب الذي يدافعون عنه علنًا عندما يشعرون أن مصالح بلدهم مهددة.
وما حدث بعد نهائي كأس أفريقيا دليل واضح على ذلك، إذ خرج مغاربة كُثُر من موقع الصمت إلى موقع التصريح العلني بأن إسرائيل، في ميزان المصالح، أثبتت أنها شريك أكثر صدقًا من أنظمة وجماهير عربية وأفريقية رفعت شعارات “الأخوة” ثم لم تتردد في الطعن عند أول اختبار.
المغاربة متعاطفون مع فلسطين أيضا
لا يعني هذا التحول أن المغاربة تخلّوا عن تعاطفهم التاريخي مع الفلسطينيين، ولا أن القضية الفلسطينية فقدت مكانتها الرمزية في الوجدان الشعبي، لكنه يعني، ببساطة، أن جزءًا واسعًا من المجتمع المغربي بات يفرّق بين التعاطف الإنساني والموقف السياسي السيادي.
المغربي اليوم، وهو يرى بلاده مستهدفة في وحدتها الترابية، ويلاحظ كيف تُستعمل قضايا “عادلة” كأدوات ضغط وانتقام سياسي، أصبح أكثر حساسية تجاه الخطاب العاطفي، وأكثر ميلًا إلى الواقعية.
في هذا الإطار، يُنظر إلى إسرائيل لا بوصفها خصما تاريخيا ودينيا بل كدولة لها وزنها الدولي، وقد أثبتت عمليًا دعمها للموقف المغربي في ملف الصحراء، في وقت اختارت فيه دول عربية وأفريقية الاصطفاف ضد المغرب أو التلاعب بورقته.
كأس أفريقيا كنقطة كاشفة
ما جرى في نهائي كأس أمم أفريقيا لم يكن مجرد جدل تحكيمي أو توتر رياضي عابر، بل لحظة كاشفة لعمق التناقض بين الخطاب والشعور الحقيقي لدى قطاعات واسعة من المغاربة.
الهجوم الإعلامي الجزائري، والصمت أو التواطؤ الأفريقي، ثم استثمار المنتخب السنغالي للفوضى السياسية والجماهيرية، رسّخ قناعة لدى كثيرين بأن الرهان على “التضامن الإقليمي” وهمٌ مكلف، وأن السياسة تُدار بمنطق المصالح لا العواطف.
من هنا، يمكن فهم موجة التأييد العلني للتطبيع مع إسرائيل بوصفها رد فعل عقلانيًا على خيبات متراكمة، لا انقلابًا مفاجئًا في القيم.
لهذا يمكن القول بكل ثقة أن الإدعاء بأن 89 في المئة من المغاربة يرفضون التطبيع مع إسرائيل يتجاهل التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي، ويختزل موقفًا مركّبًا في رقم واحد يخدم سردية سياسية جاهزة.
الواقع أكثر تعقيدًا: هناك تعاطف إنساني مع فلسطين، نعم، لكن هناك أيضًا وعي متزايد بأن الدولة تُدار بالمصالح، وبأن التحالفات تُقاس بالنتائج وليس بالشعارات، وفي هذا الميزان، يبدو القبول الشعبي بالتطبيع في المغرب حقيقيًا متدرّجًا ومتناميًا.
