في مشهد اقتصادي متسارع ومثير للقلق، تواصل الليرة التركية سقوطها الحر، متجاوزة مستويات تاريخية متدنية أمام الدولار الأمريكي، مما يجعلها تقترب أكثر فأكثر من مستوى الجنيه المصري الذي يعاني هو الآخر من أزمة انهيار العملة.
هوت الليرة التركية إلى 42 مقابل الدولار، متأثرة باعتقال المعارض البارز أكرم إمام أوغلو، مما تسبب في هزة عنيفة في الأسواق التركية، وأدى إلى تراجع حاد في الأسهم والسندات.
في الوقت الذي تعاني فيه مصر من أزمة مالية دفعت الجنيه إلى تجاوز حاجز 50 أمام الدولار، تسير تركيا على نفس المسار بوتيرة أسرع، ما يثير تساؤلات جوهرية حول السياسات الاقتصادية في البلدين، ومدى قدرة الحكومتين على احتواء الأزمة قبل خروج الأمور عن السيطرة، فهل يقترب البلدان من نقطة التعادل النقدي؟ وما هي العوامل التي دفعت الاقتصادين إلى هذا الوضع المتأزم؟
زلزال اقتصادي في تركيا: الليرة تنهار بعد اعتقال إمام أوغلو
شهدت تركيا هزة اقتصادية غير مسبوقة بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي يعتبر المنافس السياسي الأبرز للرئيس رجب طيب أردوغان.
القرار الذي وصفته المعارضة بأنه “محاولة انقلاب سياسي”، أدى إلى حالة من الذعر في الأسواق المالية، مما دفع الليرة التركية إلى تسجيل مستويات قياسية من الانهيار، حيث هوت إلى 42 ليرة مقابل الدولار في تراجع هو الأكبر منذ يوليو 2023.
لم يكن الانهيار السريع للعملة التركية مفاجئًا للمراقبين، إذ لطالما ارتبطت التقلبات الاقتصادية في تركيا بالاضطرابات السياسية. ومع اقتراب الانتخابات، يبدو أن اعتقال إمام أوغلو جاء بمثابة إنذار خطير للمستثمرين الذين فقدوا الثقة في الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.
لم يقتصر التأثير السلبي على العملة فقط، بل امتد ليشمل سوق الأسهم والسندات، فقد انخفض مؤشر الأسهم القيادية بنسبة 8.41%، بينما تراجع المؤشر الفرعي للبنوك بنحو 9.88%.
واضطرت بورصة إسطنبول إلى وقف التداول مؤقتًا بعد أن شهدت تراجعات حادة خلال الجلسة، كما تراجعت السندات الحكومية طويلة الأجل إلى أدنى مستوياتها منذ فبراير، مما يزيد من المخاوف بشأن قدرة الحكومة على إدارة الأزمة المالية.
مع تزايد الضغوط، تدخل البنك المركزي التركي في محاولة يائسة لإنقاذ الموقف، حيث تشير التقديرات إلى أنه أنفق ما لا يقل عن 5 إلى 10 مليارات دولار لدعم الليرة.
لكن هذه الخطوات تبدو غير كافية في ظل استمرار فقدان الثقة بالسوق التركية، مما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة البنك المركزي على الصمود في وجه العاصفة.
هل تكرر تركيا سيناريو مصر؟ أوجه التشابه والاختلاف بين الأزمتين
واجهت تركيا تضخمًا مزدوجًا نتيجة تداخل تضخم الطلب وتضخم التكاليف. في البداية، أدى الطلب المحلي المرتفع إلى زيادة الأسعار، وتفاقمت الأزمة بسبب الانخفاض المستمر في قيمة الليرة التركية، حيث خسرت أكثر من 15% من قيمتها مقابل الدولار منذ يناير 2024.
في المقابل تعاني مصر من تضخم التكاليف، حيث ارتفعت أسعار الوقود والكهرباء والسلع المدعومة مثل الخبز، بالإضافة إلى ذلك، أدى ضعف الجنيه المصري، رغم تعويمه في مارس 2024، إلى استمرار معدلات التضخم المرتفعة، حيث تجاوزت قيمة الدولار في السوق السوداء 60 جنيهًا.
انخفض سعر الليرة التركية بنحو 23% منذ تعيين حفيظة غاية أركان كمحافظة للبنك المركزي، مما زاد من الضغوط التضخمية.
وشهد الجنيه المصري تراجعًا مستمرًا في قيمته، حيث بلغ في السوق الرسمية مستوى قريبًا من الليرة التركية، بينما تجاوز في السوق غير الرسمية 60 جنيهًا للدولار.
كيف يهدد القمع السياسي مستقبل الليرة؟
القمع السياسي في تركيا، مثل تقييد حرية الصحافة واستهداف المعارضة، يؤدي إلى تقويض ثقة المستثمرين في نزاهة المؤسسات الاقتصادية.
عندما يرى المستثمرون أن القرارات الاقتصادية تُتخذ وفقًا لمصالح سياسية وليس بناءً على اعتبارات علمية، فإنهم يفقدون الثقة في استقرار الاقتصاد، ما ينعكس سلبًا على قيمة الليرة التركية.
تتجنب الشركات والمستثمرون الدوليون الدول التي تفتقر إلى الاستقرار السياسي وسيادة القانون، تؤدي السياسات القمعية إلى هروب رؤوس الأموال، ما يضعف احتياطيات النقد الأجنبي ويرفع الطلب على العملات الأجنبية مقابل الليرة، مما يسرع من تراجع قيمتها.
تاريخيًا، تدخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قرارات البنك المركزي، وأقال محافظين رفضوا الامتثال لتوجهاته.
هذه التدخلات، المدفوعة بدوافع سياسية وليس اقتصادية، أدت إلى اتباع سياسات نقدية غير فعالة، مثل خفض أسعار الفائدة في وقت التضخم المرتفع، ما تسبب في انهيار الليرة التركية مرارًا.
يمكن أن يؤدي القمع السياسي إلى فرض عقوبات غربية، مثلما حدث مع روسيا وإيران، مما يعمق أزمة العملة، توتر العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد يقلل الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الاقتصادية، مما يؤدي إلى انخفاض قيمة الليرة.
الجنيه المصري والليرة التركية: سباق الانهيار نحو القاع!
تعاني من نقص حاد في العملة الأجنبية نتيجة اعتمادها الكبير على الاستيراد، مع ارتفاع الديون الخارجية وتراجع الاستثمارات الأجنبية، ما دفع الحكومة إلى تعويم الجنيه مرارًا.
في المقابل تعاني من أزمة ثقة في سياسات البنك المركزي، وتدخلات الحكومة في الاقتصاد، والتوترات السياسية التي زادت من تقلبات الليرة.
في مصر، تُعزى الأزمة إلى الاعتماد المفرط على القروض والإنفاق على مشاريع ضخمة دون عوائد مباشرة، إضافة إلى التباطؤ في تطبيق إصلاحات صندوق النقد الدولي.
في تركيا، أدت السياسات القمعية، مثل اعتقال المعارضين، إلى زعزعة الثقة في الأسواق، ما تسبب في موجات بيع ضخمة لليرة التركية.
الليرة التركية والجنيه المصري في سباق نحو القاع، ولكن سرعة الانهيار في تركيا باتت أكثر حدة بسبب العوامل السياسية المفاجئة، بينما الأزمة المصرية أكثر تعقيدًا بسبب تراكم الديون وتعاني أكثر بسبب التوترات السياسية والخسائر التي تتكبدها مصر بسبب الحروب في محيطها.
من المنتظر أن تستمر كلا العملتين الجنيه المصري والليرة التركية في الإنخفاض فيما تبقى من 2025، ونستبعد ان يتم عكس الهبوط أو إيقافه بشكل نهائي.

