
نددت منظمة العفو الدولية بتصعيدٍ وصفته بـ«الخطير» في حملة القمع التي تشنها السلطات المصرية ضد أشكال التعبير عن المعتقدات الدينية عبر الإنترنت، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن 23 شخصًا محتجزين تعسفيًا بسبب ممارستهم السلمية لحقهم في حرية الدين والمعتقد.
وجاء ذلك في بيان رسمي مطوّل صدر عن المنظمة، كشف تفاصيل واسعة عن موجة اعتقالات طالت عشرات الأشخاص خلال الأشهر الأخيرة، على خلفية نشرهم محتوى إلكترونيًا يناقش الإلحاد أو اللاأدرية أو ينتقد المعتقدات الدينية السائدة، أو حتى مجرد عضويتهم في مجموعات نقاشية على وسائل التواصل الاجتماعي.
بحسب منظمة العفو الدولية، اعتقلت قوات الأمن المصرية خلال الستة أشهر الماضية ما لا يقل عن 29 شخصًا، بينهم امرأة، في ست محافظات مختلفة.
وتتراوح أعمار المعتقلين بين 18 عامًا وأواخر العقد الخامس، وجميعهم استُهدفوا بسبب آرائهم الدينية أو الفلسفية التي لا تتوافق مع السرديات الدينية التي تُقرّها الدولة.
ويخضع هؤلاء للتحقيق على ذمة تهم وصفتها المنظمة بـ«المُلفّقة»، من بينها:
- ازدراء الأديان
- الانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون
- استغلال الدين للإضرار بالوحدة الوطنية
- نشر أخبار كاذبة
وفي حال إدانتهم، قد يواجه المتهمون أحكامًا بالسجن تصل إلى خمس سنوات.
قال محمود شلبي، الباحث المعني بشؤون مصر وليبيا في منظمة العفو الدولية:
«إن نشر أفكار دينية عبر الإنترنت أو الاشتراك في نقاشات عن الإيمان أو عدم الإيمان ليس جريمة. ومع ذلك، تكثّف السلطات المصرية حملتها القمعية ضد من يناقشون هذه المسائل، في انتهاكٍ واضح لالتزامات مصر الدولية في مجال حقوق الإنسان».
وأشار شلبي إلى أن هذه الانتهاكات تتناقض بشكل مباشر مع التعهدات التي قطعتها السلطات المصرية خلال الاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عام 2025، ولا سيما ما يتعلق بحرية الدين والمعتقد.
البيان كشف أيضًا عن سلسلة انتهاكات جسيمة رافقت عمليات الاعتقال، فمنذ منتصف يوليو 2025 وحتى 1 يناير 2026، تعرّض المعتقلون للاختفاء القسري لفترات تراوحت بين أربعة أيام و56 يومًا، حيث احتُجزوا في أماكن غير معلومة تابعة لقطاع الأمن الوطني، خارج أي إشراف قضائي.
وخلال جلسات تجديد الحبس الاحتياطي:
- أفاد أربعة محتجزين على الأقل بتعرّضهم للتعذيب
- حُرم 11 محتجزًا من حقهم في الاستعانة بمحامين من اختيارهم
- أبلغ محتجزون عن الصعق بالكهرباء والضرب المبرح
- توفي أحد المحتجزين داخل الحجز، دون الكشف عن سبب الوفاة حتى الآن
وأكدت المنظمة أنها لم تتمكن من الحصول على أي معلومات رسمية حول ظروف أو ملابسات الوفاة.
خلال فترات الاختفاء القسري، استجوب أفراد الأمن الوطني المحتجزين وهم معصوبو الأعين لساعات طويلة، وتركزت الأسئلة على:
- ديانتهم
- ما إذا كانوا يؤدون الصلاة
- مواقفهم من الإسلام والمسيحية
- آرائهم حول الإيمان أو عدمه
ووصفت العفو الدولية هذه الممارسات بأنها «انتهاك صارخ للحق في حرية الضمير».
ومن بين أبرز الحالات التي وثقها البيان، اعتقال شريف جابر، وهو مدوّن ومؤثر يبلغ من العمر 32 عامًا، قبضت عليه الشرطة من منزله في القاهرة يوم 3 نوفمبر 2025، وأخضعته للاختفاء القسري لمدة 56 يومًا قبل عرضه على النيابة.
وشريف جابر مستهدف منذ أكثر من عقد بسبب محتواه النقدي الديني. فبين عامي 2013 و2024، صدرت بحقه ثلاثة أحكام غيابية بالسجن (سنة، ثلاث سنوات، وخمس سنوات) بتهمة «ازدراء الأديان»، ولا يزال حتى الآن محتجزًا رهن الحبس الاحتياطي.
ومن أشهر الملحدين في مصر أيضا نجد هشام المصري السلفي السابق الذي حكت عليه المحكمة الإقتصادية بالسجن 6 أشهر بسبب سوء استخدام الإنترنت، في خطوة تؤك اعتقاله بسبب آرائه الإلحادية وربما أيضا انتقاداته للسيسي.
وقال محمود شلبي:
«يجب على النيابة العامة أن تتوقف فورًا عن التواطؤ في انتهاكات قطاع الأمن الوطني، وأن تضمن إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وشفافة في جميع ادعاءات التعذيب».
وفي أوائل ديسمبر 2025، أُفرج عن خمسة محتجزين على ذمة القضايا نفسها، بينما لا يزال 23 شخصًا رهن الحبس الاحتياطي حتى الآن، من دون محاكمة.
واختتمت منظمة العفو الدولية بيانها بدعوة واضحة:
«ينبغي للسلطات المصرية إنهاء القيود المفروضة على حرية الدين والمعتقد، والكف عن محاكمة الأشخاص بسبب أفكارهم ومعتقداتهم، والإفراج فورًا عن جميع المحتجزين تعسفيًا».
تحقيق المنظمة يرسم صورة قاتمة لمناخ حرية المعتقد في مصر، ويضع السلطات أمام اختبار جديد بشأن التزاماتها الدولية، في وقت يتصاعد فيه القلق الحقوقي من تحوّل النقاش الديني إلى جريمة أمنية.
