السعودية محمد بن سلمان

لقد اشتعلت الحرب الباردة بين السعودية وإيران بدرجات متفاوتة من الحدة على مدى عقود. وهي في جوهرها امتداد لتوترات أقدم بكثير، عربية-فارسية وسنية-شيعية، هزّت الشرق الأوسط لقرون.

السعوديون يتحدثون العربية ويولون أهمية كبيرة لدورهم كحماة لمكة المكرمة. أما الإيرانيون فيتحدثون الفارسية، وقد تحدّوا في كثير من الأحيان سيطرة السعودية على أقدس موقع في الإسلام. السعودية ملكية محافظة تسعى إلى الاستقرار الإقليمي، في حين أن إيران جمهورية ثورية تدعم مجموعة من التنظيمات التي تُعرف بمحور المقاومة.

السعودية حليف تقليدي للولايات المتحدة، بينما تسعى إيران إلى إخراج أمريكا من المنطقة. وقد طرح الملكان السعوديان فهد وعبد الله مبادرات سلام لتحسين العلاقات مع إسرائيل، في حين لم تتوقف إيران عن الدعوة إلى تدميرها.

السعودية لاعب طويل الأمد في أسواق النفط، وتهتم باستقرار الأسعار وتسعى لتجنب الارتفاعات الحادة التي تضر بالطلب. أما إيران، فقد كانت تاريخيًا من أشد الداعين لرفع الأسعار داخل منظمة أوبك، التي أُنشئت لتعزيز التعاون بين الدول المنتجة للنفط. من الصعب العثور على دولتين أكثر تضاربًا في المصالح.

كانت برامج الصواريخ الباليستية وتخصيب اليورانيوم الإيرانية مصدر قلق خاص للسعوديين، لكنها ليست السبب الوحيد للتوتر. فعلى مدى أكثر من أربعين عامًا، شعرت السعودية بأنها محاصرة بحزام من الوكلاء الإيرانيين، يشمل الحوثيين في اليمن، وحماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والميليشيات العراقية. كما دعمت إيران اضطرابات بين الشيعة في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في السعودية، وسعى حجاج إيرانيون مرارًا إلى تعطيل موسم الحج في مكة.

لم يشك السعوديون يومًا في التهديد طويل الأمد الذي يمثله نظام الملالي في طهران. قبل عشرين عامًا، نصح الملك عبد الله القادة الأمريكيين بـ«قطع رأس الأفعى». وفي عام 2016، اقتحمت حشود إيرانية السفارة السعودية في طهران وأحرقتها، ما دفع السعودية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إيران. وفي عام 2018، أعلن ولي العهد محمد بن سلمان أن آية الله خامنئي يمثل تهديدًا أكبر من هتلر، مؤكدًا أنه إذا طورت إيران سلاحًا نوويًا، فإن السعودية ستضطر إلى فعل الشيء نفسه.

مع ذلك، فإن مواجهة إيران بشكل مباشر كانت تتجاوز القدرات العسكرية السعودية. كما أن محمد بن سلمان كان قد أطلق برنامج إصلاح اقتصادي واجتماعي طموح يُعرف برؤية 2030، وكان يحتاج إلى استقرار إقليمي واستثمارات أجنبية لإنجاحه. على غرار باراك أوباما في الاتفاق النووي مع إيران، اختار ولي العهد تأجيل المواجهة، على أمل أن يهدأ سلوك طهران بمرور الوقت. ولهذا أعاد في عام 2023 العلاقات الدبلوماسية مع إيران، ساعيًا إلى تحقيق نوع من التهدئة بين الطرفين، وبدا أن ذلك يسير في الاتجاه الصحيح.

حاولت السعودية البقاء خارج حرب الخليج الثالثة، ورفضت في البداية استخدام مجالها الجوي لشن هجمات على إيران، لكن ذلك لم يمنع التصعيد. فقد سعت إيران إلى الضغط على الولايات المتحدة عبر استهداف حلفائها، حيث ضربت طائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية منشآت نفطية ومدنية سعودية.

وكان ذلك هجومًا واضحًا على الاقتصاد السعودي وعلى مشروع رؤية 2030 نفسه، وأدى إلى إدراك نوايا إيران الحقيقية، والاقتناع بأن التهدئة مع نظام ثوري أمر غير مجدٍ. وردًا على ذلك، طردت السعودية الدبلوماسيين الإيرانيين مرة أخرى وقطعت العلاقات.

جاء الرد السعودي على العدوان الإيراني مثالًا بارعًا في الدبلوماسية. فقد أدانت الرياض الهجمات وسمحت للولايات المتحدة باستخدام قواعدها، ما أرضى واشنطن. وفي الوقت نفسه، لم ترد عسكريًا ودعت إلى وقف الأعمال العدائية، ما أرضى أوروبا والصين وروسيا. كما احتفظت بحق الرد إذا استمرت الهجمات، وهو ما طمأن الرأي العام الداخلي.

وفي المقابل، حمّلت الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية بدء النزاع، ما حافظ على دعم العالم الإسلامي. ونتيجة لهذا التوازن، أدانت الأمم المتحدة إيران لمهاجمتها جيرانها العرب، وللمرة الأولى منذ وقت طويل، ظهرت السعودية ليس كمنتهك لحقوق الإنسان، بل كضحية لعدوان غير مبرر.

حتى الآن، تبدو السعودية الرابح الواضح في هذا الصراع. فهي لم ترسل قوات للمشاركة في عملية «إيبك فيوري»، كما أن أنظمة الدفاع الجوي لديها أدت بشكل جيد، وكان الضرر الذي لحق ببنيتها التحتية محدودًا. وفي المقابل، شهدت إيران ووكلاؤها تراجعًا كبيرًا لم تكن السعودية لتحققه بنفسها. فقد تعرضت المنشآت النووية الإيرانية في أصفهان وفوردو ونطنز لأضرار جسيمة، كما استُنزف جزء كبير من ترسانتها الصاروخية. وأدى ذلك إلى إضعاف الراعي الرئيسي للحركات الإسلامية المتشددة في المنطقة وتقليص نفوذ محور المقاومة، ما قد يساهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في الشرق الأوسط، ويدعم طموحات رؤية 2030 لجعل السعودية مركزًا للسياحة والتكنولوجيا والمال والخدمات اللوجستية.

إيران الأضعف تعني سعودية أقوى، فبحكم حجمها وموقعها وثروتها ودورها الديني، أصبحت السعودية مرشحة للعب دور أكبر في شؤون المنطقة. وتحت قيادتها، توحدت دول مجلس التعاون الخليجي، رغم خلافاتها السابقة، في مواجهة التهديد الإيراني، ليس فقط دبلوماسيًا، بل أيضًا من خلال تعاون غير مسبوق في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات. كما عززت الحرب علاقات السعودية مع الأردن ومصر، حتى أن وزير الدفاع الباكستاني سافر شخصيًا إلى الرياض لعرض دعم عسكري عند الحاجة.

وعلى عكس معظم جيرانها، لم تشهد السعودية تراجعًا حادًا في عائدات النفط. فقد اضطرت الكويت والعراق إلى خفض الإنتاج بسبب تعذر تصدير النفط عبر الخليج، بينما كانت السعودية قد استثمرت منذ عقود في بناء خط الأنابيب الشرقي-الغربي الذي ينقل النفط لمسافة 745 ميلًا من الخليج إلى البحر الأحمر. ورغم أنه كان يُستخدم أقل من طاقته في السابق، فقد واصلت السعودية تطويره، وهو ما سمح لها اليوم بتجاوز مضيق هرمز وتصدير النفط عبر البحر الأحمر.

ينقل هذا الخط الآن نحو 7 ملايين برميل يوميًا، وهو رقم قريب من صادرات السعودية قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، تضاعفت أسعار النفط منذ اندلاع الصراع. وإذا استمرت الحرب، فإن السعودية تمتلك طاقة إنتاجية فائضة وخيارات أخرى لتفادي مضيق هرمز، ما يمنحها موقع “المورد الأخير” الذي يمكنه فرض أسعار أعلى، والحصول على امتيازات تكنولوجية ودبلوماسية وضمانات أمنية من الدول المحتاجة.

ومع ذلك، لا تزال السعودية تواجه مخاطر كبيرة. فهي تعتمد بشكل كبير على محطات تحلية المياه، وإذا تعرضت هذه المنشآت للتدمير، فقد تصبح مدن بأكملها غير صالحة للسكن. كما تظل منشآت النفط وخط الأنابيب الشرقي-الغربي وميناء ينبع عرضة للهجمات. ولن يكون الفوضى السياسية الواسعة في إيران في صالح السعودية، كما أن انتهاء الحرب دون تغيير النظام الإيراني، مع استمرار سياساته، قد يكون السيناريو الأكثر إثارة للقلق. فقد تستطيع الولايات المتحدة التعايش مع إيران ضعيفة وغاضبة لكنها لا تزال قوية، وهو ما سيكون أكثر خطورة على إسرائيل والسعودية.

ورغم هذه التحديات، فإن أي تقييم واقعي لمسار الحرب حتى الآن يترك لمحمد بن سلمان الكثير مما يستحق الاحتفال.

بقلم: ديفيد إتش. روندل هو رئيس بعثة سابق في السفارة الأمريكية بالرياض، ومؤلف كتاب «رؤية أم سراب: السعودية عند مفترق الطرق».