
قد يبدو خبر استيراد المغرب نحو 40 ألف طن من الديزل الروسي وكأنه تطور قادر على إحداث فرق في سوق المحروقات، لكن الأرقام التي عرضها الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، ترسم صورة أقل إثارة للتفاؤل: هذه الكمية لا تكفي سوى لنحو ثلاثة أيام من الاستهلاك الوطني.
وبهذا المعنى، فإن وصول شحنة من الغازوال الروسي قد يكون مهمًا من ناحية تنويع الإمدادات، لكنه لا يمثل في حد ذاته تحولًا قادرًا على دفع الأسعار إلى الانخفاض بصورة ملموسة، خصوصًا في سوق يستهلك أكثر من 6 ملايين طن من الديزل سنويًا.
40 ألف طن من الديزل الروسي لا تكفي المغرب
علّق اليماني على تداول خبر استيراد المغرب للديزل الروسي قائلًا إن بعض المواقع قدمت الأمر وكأنه «فتح عظيم»، خصوصًا بعد ما وصفه بصدور عفو أمريكي على تجارة النفط الروسي بالتزامن مع تفاقم أزمة الديزل عالميًا.
لكن عند وضع الرقم في سياقه، تصبح الصورة مختلفة تمامًا. فالمغرب، بحسب المعطيات التي قدمها، يستهلك أكثر من 6 ملايين طن من الغازوال سنويًا، أي بمعدل يقارب 16 ألف طن يوميًا، ونحو نصف مليون طن شهريًا.
وبالتالي فإن شحنة تبلغ 40 ألف طن لا تغطي سوى جزء محدود جدًا من الطلب، ولا يمكن اعتبارها كمية كافية لإحداث تغيير جذري في معادلة الأسعار داخل السوق.
لماذا لن تنخفض الأسعار لمجرد دخول الديزل الروسي؟
المشكلة الأساسية، بحسب طرح اليماني، أن سعر المحروقات في المغرب لا يرتبط فقط بمصدر الشحنة أو بكونها روسية أو غير روسية.
فحتى إذا تم شراء الوقود بسعر أقل نسبيًا، فإن الكمية نفسها تظل محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك الوطني، كما أن السوق تعتمد على الاستيراد المستمر والتوزيع والتخزين وهوامش الربح والتكاليف المرتبطة بالسوق الدولية.
وهذا يعني أن شحنة واحدة، مهما بدا سعرها جذابًا، لا تكفي وحدها لخفض متوسط تكلفة الوقود على مستوى السوق بأكملها.
وبعبارة أبسط، فإن 40 ألف طن قد تمر في السوق من دون أن يشعر المستهلك المغربي بأي فرق واضح في ثمن اللتر عند محطة الوقود.
الحل عند اليماني ليس في روسيا بل في المحمدية
يرى الحسين اليماني أن النقاش حول كل شحنة مستوردة يبتعد عن أصل المشكلة، ويكرر موقفه السابق بأن الحل الحقيقي يمر عبر إعادة تشغيل مصفاة المحمدية.
ويطالب بتفويت أصول المصفاة إلى الدولة المغربية في إطار مقاصة الديون، بما يسمح باستئناف نشاط التكرير محليًا وتقليص الاعتماد الكامل على استيراد المنتجات النفطية المكررة من الخارج.
ومن وجهة نظره، فإن امتلاك قدرة تكرير محلية يمنح المغرب هامشًا أكبر للتحكم في الإمدادات والتكاليف والمخزون، بدل البقاء رهين تقلبات الأسواق الدولية وشروط الموردين.
استيراد الوقود لا يعالج «العري الطاقي»
استخدم اليماني تعبير «العري الطاقي» لوصف الوضع الحالي، معتبرًا أن استمرار المغرب من دون مصفاة عاملة يجعله أكثر عرضة لاضطرابات الأسواق العالمية.
ويرى أن الاستمرار في هذا النموذج يعني بقاء أسعار المحروقات مرتفعة واستمرار الضغط على القدرة الشرائية، إلى جانب مخاطر مرتبطة بالمخزون الوطني من الطاقة.
كما ينتقد ما يعتبره استفادة الموزعين المسيطرين على سوق المنتجات البترولية ومكرري النفط الخام من الوضع القائم.
وهذه قراءة نقابية واضحة للمشكلة، تقوم على أن استيراد الوقود الجاهز لا يعوض وجود بنية وطنية للتكرير قادرة على التعامل مع النفط الخام وإنتاج المشتقات محليًا.
لا تنتظروا انخفاض الأسعار بسبب هذه الشحنة
بناء على الأرقام التي قدمها اليماني، لا توجد أسباب كافية لربط دخول 40 ألف طن من الديزل الروسي بانخفاض مباشر في أسعار المحروقات داخل المغرب.
فالكمية تغطي أيامًا قليلة فقط من الاستهلاك، بينما تبقى المشكلة أوسع من مصدر الوقود نفسه، وترتبط ببنية السوق واعتماد البلاد على الاستيراد وغياب نشاط التكرير المحلي في مصفاة المحمدية.
ولهذا، فإن الأثر الأكثر واقعية لهذه الشحنة هو تعزيز الإمدادات لفترة قصيرة، وليس إحداث هبوط محسوس ومستدام في الأسعار عند محطات الوقود.
