
رغم الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة، لا يزال الحديث عن “إنهاء” الخطر الصاروخي الإيراني نهائياً أقرب إلى هدف بالغ الصعوبة منه إلى نتيجة مضمونة.
ورغم تراجع القدرات الصاروخية لإيران بسبب الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي استهدفت بنيتها التحتية الصاروخية من مصانع ومركز تجميع وتخزين إلا أن إيران كانت مستعدة لأسوأ السيناريوهات ولا يزال بمقدورها استهداف إسرائيل ودول الخليج.
ترسانة إيران الصاروخية
قبل اندلاع الحرب، كانت إيران تمتلك، وفق تقديرات متداولة في الأوساط البحثية والعسكرية، أكبر مخزون من الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط، مع تقديرات تتراوح بين 2500 و6000 صاروخ، ومدى يصل في بعض النماذج إلى نحو 2000 كيلومتر.
هذا الفارق العددي مهم جداً، لأن أي حملة لتقليص الخطر لا تبدأ من فراغ، بل من مخزون ضخم ومتعدد الطبقات.
وحتى إذا نجحت الضربات في تدمير مئات الصواريخ أو عدد كبير من الأسلحة، فإن بقاء جزء معتبر من هذه الترسانة كفيل بإبقاء التهديد قائماً.
مخازن الصواريخ الإيرانية
أحد أكبر أسباب صعوبة المهمة أن إيران لم تكتفِ بتجميع الصواريخ، بل بنت لها بنية بقاء، مصادر عسكرية نقلت عنها رويترز أن إيران تحتفظ بصواريخها وقواذفها داخل منشآت تحت الأرض وبداخل أكثر من اثنتي عشرة منشأة كبيرة، فيما تشير تقارير أخرى إلى ما يُعرف بـ“مدن الصواريخ” الموزعة في عدة محافظات.
هذه البنية تجعل استهداف الترسانة أصعب بكثير، لأن ما يُرى من الخارج ليس بالضرورة ما يحدد القدرة الحقيقية على الإطلاق.
قد تُدمَّر مواقع سطحية، لكن الجزء الأخطر قد يكون مخفياً في العمق، ومحفوظاً لمرحلة لاحقة من الحرب.
القاذفات المتنقلة تربك أي حملة استباقية
حتى عندما لا تكون الصواريخ في مخازن ثابتة، تبقى هناك مشكلة منصات الإطلاق المتنقلة، هذه القواذف يمكن نقلها، إخفاؤها، وإعادة تموضعها بسرعة، وهو ما يصعّب على الاستخبارات والضربات الجوية اصطيادها جميعاً في الوقت المناسب.
المعركة هنا ليست مجرد معركة نيران، بل معركة وقت ومعلومات إذ يجب اكتشاف المنصة أولاً، ثم التأكد من موقعها، ثم ضربها قبل أن تطلق أو تغير مكانها.
وهذا هو السبب الذي يجعل تدمير الصواريخ أصعب كثيراً من مجرد قصف قاعدة معروفة على الخريطة.
الطائرات المسيّرة تجعل الاستنزاف أطول
إذا كانت الصواريخ الباليستية تمثل الخطر الأسرع والأثقل، فإن المسيّرات تمثل الخطر الأطول نفساً.
وتمتلك إيران قدرة إنتاجية قد تصل إلى 10 آلاف طائرة مسيّرة شهرياً، كما أن هذا النوع من السلاح أسهل في التوزيع والإنتاج عبر منشآت متعددة، مقارنة بالصواريخ الباليستية الأكثر تعقيداً.
معنى ذلك أن حتى لو تعرض البرنامج الصاروخي لضربات موجعة، فإن حرب الاستنزاف يمكن أن تستمر عبر المسيّرات، لأنها أقل كلفة، وأسهل تصنيعا، وأقدر على الإنهاك المتكرر لمنظومات الدفاع الجوي والبنية التحتية المدنية والعسكرية.
الدفاعات الجوية لا تنجح دائما في التصدي للهجوم الإيراني
ثمة سوء فهم شائع يفترض أن امتلاك دفاعات متقدمة يعني إمكانية اعتراض كل شيء. لكن الواقع أن المنظومات الدفاعية، مهما كانت متطورة، تعمل بمنطق التقليل من الخسائر لا بمنطق الإلغاء الكامل للخطر.
وتزداد المشكلة عندما تشمل الهجمات مزيجاً من الصواريخ والمسيّرات، أو عندما تُستخدم بعض الرؤوس القتالية والذخائر العنقودية التي تجعل عملية الاعتراض أكثر تعقيداً.
لذلك فإن نجاح جزء من الصواريخ أو المسيرات في اختراق الدفاعات لا يعني بالضرورة فشل الدفاعات كلها، إذ ليس كل تهديد يمكن إسقاطه، خاصة إذا كان متكرراً ومتعدد الاتجاهات.
الجغرافيا تساعد إيران
التهديد الصاروخي والمسيّرات الإيرانية لا ينفصلان عن الجغرافيا، إذ في ملف مضيق هرمز مثلاً، نجد أن إيران قادرة على جعل المرور التجاري غير آمن لفترة طويلة عبر مزيج من المسيّرات والتهديدات الساحلية وأدوات الحرب غير المتكافئة.
وهذا يعني أن الخطر الإيراني لا يُقاس فقط بعدد الصواريخ الباقية، بل أيضاً بقدرتها على توظيف موقعها الجغرافي لرفع كلفة أي مواجهة طويلة.
في هذا الصدد نجد أن الجبال، الأنفاق، السواحل، والممرات الضيقة، كلها عناصر تمنح طهران ميزة دفاعية تجعل استئصال التهديد أصعب من مجرد شن موجة غارات.
الضربات أضعفت إيران
الوقائع الميدانية الحالية تؤكد بأن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قلصت من قدرات إيران، لكنها لم تصل إلى حد إلغائها.
وتؤكد مصادر متطابقة أن الولايات المتحدة لا تستطيع تأكيد تدمير سوى نحو ثلث الترسانة الصاروخية الإيرانية، وهو رقم مهم لكنه يكشف أيضاً حجم ما قد يكون باقياً أو غير قابل للتقييم الدقيق.
