
في روسيا بوتين، لا تبدو المشكلة الحقيقية في أن تعارض الرئيس فقط، بل في توقيت هذا الاعتراض ومن يصدر عنه.
وحين يأتي التمرد هذه المرة من إيليا ريميسلو، أحد الوجوه المعروفة في المعسكر المؤيد للكرملين، فإن القصة لا تعود مجرد منشور غاضب على تيليغرام، بل تتحول إلى مشهد سياسي ثقيل: رجل صنع اسمه طويلًا في مهاجمة خصوم بوتين، ينقلب فجأة على سيد الكرملين نفسه، ثم ينتهي بعد ساعات في مستشفى للأمراض النفسية في سان بطرسبرغ.
بحسب ما أوردته رويترز نقلًا عن صحيفة فونتانكا المحلية، فإن ريميسلو، وهو محامٍ ومدون روسي عرف بدفاعه عن الخط الرسمي ومهاجمته لمنتقدي بوتين، نُقل إلى المستشفى النفسي رقم 3 في سان بطرسبرغ، بعد منشور صادم نشره على قناته في تيليغرام أمام نحو 90 ألف متابع تحت عنوان: “خمسة أسباب جعلتني أتوقف عن دعم فلاديمير بوتين”.
المنشور لم يكن نقدًا خفيفًا أو مراجعة جزئية للموقف، بل انقلابًا كاملاً في اللغة والمضمون، فقد اتهم ريميسلو بوتين بقيادة “حرب فاشلة” في أوكرانيا، وقال إن هذه الحرب أودت بحياة الملايين وألحقت دمارًا بالاقتصاد الروسي وأضرت برفاه المواطنين.
ثم مضى أبعد من ذلك حين كتب أن فلاديمير بوتين ليس رئيسًا شرعيًا، وأنه يجب أن يستقيل ويُحاكم بوصفه مجرم حرب ولصًا.
هذا النوع من الكلام، حين يخرج من معارض قديم، يزعج الكرملين، لكن حين يصدر من رجل كان جزءًا من ماكينة التشهير بخصومه، فهو يثير شيئًا أخطر: الشك في تماسك المعسكر نفسه.
المثير أن الصدمة لم تصب فقط معسكر بوتين، بل حتى خصومه، فريميسلو لم يكن اسمًا هامشيًا أو صوتًا رماديًا.
لقد بنى مسيرته على مهاجمة شخصيات معارضة بارزة، بينها أليكسي نافالني، الذي توفي في السجن عام 2024، وكان معروفًا كأحد الأصوات القانونية والإعلامية التي تصطف بوضوح مع السلطة.
لهذا بدا انقلابه، في نظر كثيرين، أشبه بانفجار داخلي داخل بيئة الموالين، لا مجرد انتقال فردي من ضفة إلى أخرى.
لكن ما جعل القصة أكثر قتامة هو ما حدث بعد ذلك مباشرة. فصحيفة فونتانكا ذكرت أن ريميسلو أُدخل إلى مستشفى الأمراض النفسية في المدينة، وأن مكتب الاستعلامات في المستشفى أكد وجود مريض بالاسم نفسه يمكن تسليم الطرود له.
ومع ذلك، أشارت رويترز بوضوح إلى أنها لم تتمكن بشكل مستقل من تأكيد أن الشخص الموجود في المنشأة هو بالفعل المدون نفسه، كما أن التقرير المحلي لم يوضح الأساس الذي تم بموجبه إدخاله إلى المستشفى.
هذه نقطة مهمة جدًا، لأن الثابت صحفيًا حتى الآن هو وجود تقارير قوية ومتطابقة عن إدخاله إلى مصحة، لكن التفاصيل القانونية والطبية المحيطة بالإجراء ما تزال غير واضحة.
مع ذلك، يصعب فصل الحادثة عن السياق الأوسع داخل روسيا اليوم. فقبل يوم واحد فقط من تداول خبر ريميسلو، كانت رويترز قد تحدثت عن تشديد موسكو قبضتها على الإنترنت، وتعطيل خدمات رقمية ومراسلات في عدة مدن، ضمن سياسة أوسع لإحكام السيطرة على الفضاء العام ومنع أي ارتدادات داخلية للحرب أو للأزمات المتراكمة.
في هذا المناخ، لا يبدو إيداع شخصية منشقة فجأة في مصحة نفسية مجرد تفصيل غريب، بل يوقظ فورًا ذاكرة ثقيلة من التاريخ السوفيتي، حين كانت السلطة تستخدم الطب النفسي أحيانًا لتجريد المعارض من شرعيته وتحويل اعتراضه من موقف سياسي إلى “عارض مرضي”.
والاستنتاج هنا تحليلي، مدعوم بسياق التشديد الروسي الحالي وبالرمزية التاريخية لهذا النوع من الإجراءات.
اللافت كذلك أن هذه الحادثة تأتي في لحظة تشهد فيها روسيا تعبًا متزايدًا من الحرب في أوكرانيا، مع ضغوط اقتصادية ورقابة أشد على الإنترنت والمجال العام.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح أي صوت موالٍ سابق يخرج عن النص مادة شديدة الحساسية، لأن تأثيره الرمزي أكبر من تأثير معارض مألوف بالنسبة للسلطة.
