أحدث ابتكارات الجزائر في عالم الضحك الرقمي هو إسماعيل مان 54، وهو الهاكر الجزائري الذي أطلَّ علينا في وسائل الإعلام الجزائرية العمومية، وحتى في بعض تقارير “التهديدات الكبرى” التي تبدو أشبه بكتاب خيال علمي رخيص.
لو قلنا إن هذا الرجل هو بطلٌ من أبطال الروايات لكنا قد قاربنا الحقيقة، لكن للأسف أو لحسن الحظ، الحقيقة هنا أكثر تسليةً من الخيال.
إسماعيل مان 54، طبقًا لصفحته الرسمية على الإنترنت وصفحاته على السوشيال ميديا، هو “خبير الأمن المعلوماتي ومطور برمجيات للتجارة الإلكترونية” وهذا أهم ما نعرفه عنه بشكل مؤكد، أي أنه يعرّف نفسه كرجلٍ يعمل في الأمن السيبراني والتجارة الرقمية.
لكن عندما ننتقل من السيرة الذاتية إلى ادعاءاته وظهوره الإعلامي، يتحول المشهد إلى فيلم كوميدي بميزانية منخفضة وأسلوب وثائقي غير موثوق.
في مقاطع عديدة تظهر على يوتيوب وبعض الفيديوهات القديمة، يُقدَّم إسماعيل على أنه “أخطر الهاكرز في العالم” الذي اخترق مواقع حكومية، توقّع تفجيرات وعمليات اغتيال، بل وحتى اختراق شبكات إسرائيلية ضخمة وهي ادعاءات تقدَّم في برامج تلفزيونية شعبية أكثر منها تقارير تقنية موثوقة.
هذا المزيج من الترويج الإعلامي الذاتي والادعاءات الكبيرة يجعل أي تحليل جاد صعبًا للغاية، لكون لا مصادر مستقلة تؤكد صحة ما يُنسب إليه سوى بعض مقاطع الفيديو أو صفحات التواصل الاجتماعي التي يتابعها آلاف الأشخاص بلا دليل على ما يقوم به فعليًا.
المرحلة التي تتضح فيها الكوميديا أكثر هي عندما تنتقل الادعاءات من “أنا قادر على تعطيل مواقع” إلى “أنا قادر على قطع الإنترنت والكهرباء في المغرب”.
هناك منشورات وصور على إنستغرام وبعض المنصات الأخرى انتشرت بهذا المعنى، لكن لا يوجد دليل على أن أحدًا في الواقع – لا هو ولا غيره – كان قادرًا على تعطيل الخدمات الوطنية للمغرب، سواء إنترنت، كهرباء، أو بنية تحتية حيوية مماثلة.
الواقع السيبراني في المغرب بحسب تقارير عالمية شهد بالفعل هجمات إلكترونية من مجموعات مختصة، وتبقى التحقيقات غالبًا محصورة بين المتخصصين الأمنيين وأجهزة الدولة، لكن تلك الهجمات تُنسب عادةً إلى مجموعات منظمة، وليس إلى أفراد يظهرون في فيديوهات شعبية.
إذن لماذا يسجّل اسم “إسماعيل مان 54” كل هذه الضجة؟ الجواب هو الإعلام الشعبي والمبالغات التي تتغذى على الخيال الجماهيري.
في ثقافة الإنترنت، ليس من الغريب أن يتحول شخص لديه صفحة إلكترونية إلى “أسطورة رقمية” بفضل بعض الفيديوهات، عناوين الأخبار المثيرة، ومراجعات من قِبل قنوات يوتيوب تبحث عن المشاهدات.
لهذا السبب يبدو إسماعيل مان 54 أكثر شبهاً ببطَل قصة مصوَّرة على يوتيوب منه بهاكر محترف قادر على تعطيل أجهزة دولة.
هو لم يُذكر في تقارير أمنية تقنية موثوقة، ولا توجد إثباتات مستقلة على كسر بُنى تحتية حقيقية كما يُشاع، ما لدينا هو مجموعة من الفيديوهات، صفحات التواصل، وأحيانًا ادعاءات غير مدعومة بأدلة تقنية.
في عالمٍ تزداد فيه الهجمات السيبرانية تعقيدًا، وتهديدات التضليل تنتشر بلا توقف، يبقى أشهر الهاكرز الأهطل في الذاكرة الرقمية ليس بقدراته، بل بمدى سخافة الادعاءات التي تُنسَب إليه، كما لو أن الإنترنت نفسه يضحك على كل من يصدق تلك الإعلانات الخرافية.
والذروة الكوميدية في سيرة إسماعيل مان 54 لا تكمن في الحديث عن اختراق مواقع أو إرباك مزوّد خدمة إنترنت، فهذه أمور على ضعفها يمكن تخيّلها نظريًا في عالم الهجمات السيبرانية، بل في تلك القفزة البهلوانية غير المبررة نحو ادعاء القدرة على قطع الكهرباء عن المغرب.
هنا بالضبط يخرج الرجل من خانة “الهاكر المبالغ في قدراته” إلى خانة “الراوي الذي لم يفتح يومًا كتابًا عن كيفية عمل الدول الحديثة”.
قطع الكهرباء لا يشبه اختراق حساب فيسبوك ولا حتى تعطيل موقع إلكتروني تابع لشركة، بل هو فعل يتطلب الوصول إلى شبكات تحكم صناعية معقدة، أنظمة SCADA محمية بطبقات مادية ورقمية، بنية تحتية موزعة جغرافيًا، ومفاتيح تشغيل لا تمر أصلًا عبر الإنترنت العام.
أي أن إسماعيل مان 54، وفق ادعاءاته، لا ينافس هاكرز العالم، بل ينافس وزارات الطاقة، شركات التوزيع، الجيوش التقنية، ومهندسي التحكم الصناعي… وهو إنجاز لم يسبقه إليه إلا خيال المؤثرين على تيك توك.
الطريف أن الرجل يتحدث عن الكهرباء كما لو كانت تطبيقًا معطّلًا يحتاج إلى إعادة تشغيل، أو زر “إيقاف” في لوحة تحكم افتراضية، بينما الواقع أن شبكات الطاقة في الدول ليست مركزية بهذا الغباء، ولا هشّة بهذا القدر، ولا تُدار أصلًا بمنطق “هاكر غاضب يضغط Enter”.
ولو كان قطع الكهرباء بهذه السهولة، لكان أول ضحاياها الدول العظمى نفسها، لا بلدًا يملك بنية طاقة موزعة، احتياطات، وربطًا إقليميًا مع اسبانيا يمنع الانهيار الشامل.
الأكثر سخرية أن هذا الادعاء يُسوَّق لجمهور يجهل الفارق بين الإنترنت والكهرباء، بين كابل ألياف ضوئية ومحطة تحويل، بين هجوم DDoS وانقطاع في شبكة ضغط عالٍ، وهنا يظهر إسماعيل مان 54 ليس كهاكر خطير، بل كمستفيد ذكي من أمية تقنية جماعية، يبيع وهم “القدرة الخارقة” لمن لا يملك أدوات التحقق، ولا حتى الفضول لطرح سؤال بسيط: كيف؟ وأين؟ وبأي منطق؟
ولو افترضنا جدلًا أن انقطاعًا محليًا للكهرباء وقع في حي أو منطقة، فربطه بشخص يظهر في فيديوهات ويصرخ عن قدراته الخارقة يشبه ربط انقطاع الماء بنبوءة فلكية، أو تحميل كسوف الشمس مسؤولية ضعف شبكة الواي فاي.
إنها نفس العقلية التي ترى في كل عطل “مؤامرة”، وفي كل صدفة “دليلًا”، وفي كل مهرّج رقمي “بطلا سيبرانيًا”.
بهذا المعنى، فإن أخطر ما في ادعاءات إسماعيل مان 54 ليس أنها كاذبة فحسب، بل أنها تسيء لفهم مفهوم الأمن السيبراني نفسه، وتحوّله من علم وتقنية ومؤسسات إلى استعراض عضلات لفظي، ومن تخصص معقّد إلى مسرحية رديئة بطلها شخص واحد وكاميرا هاتف.

