تمور اسرائيل المجهول

رغم أن تمور المجهول ارتبطت تاريخيًا بواحات المغرب، فإن إسرائيل تُعد اليوم أكبر منتج عالمي لهذا الصنف الفاخر، في مفارقة تعكس تحولات عميقة في خريطة الزراعة والتجارة الدولية.

وبينما يبلغ إجمالي إنتاج التمور عالميًا نحو 9.5 ملايين طن سنويًا، لا يتجاوز إنتاج المجهول سوى نحو 108 آلاف طن فقط، ما يجعلها فئة نخبوية داخل سوق واسع تهيمن عليه أصناف أقل سعرًا.

المجهول… أصل مغربي وإنتاج إسرائيلي

يُصنف تمر المجهول على أنه “كريمة المحصول” في صناعة التمور، هذا الصنف الذي نشأ في المغرب يُزرع اليوم بكثافة على ضفاف نهر الأردن، من بحيرة طبريا مرورًا بالبحر الميت وصولًا إلى البحر الأحمر، حيث المناخ الحار والتربة الملحية توفر ظروفًا مثالية للنخيل.

وبحسب معطيات القطاع، فإن نحو نصف إنتاج المجهول في العالم يُزرع في إسرائيل. ويقول يانيف كوهين، المدير العام لتعاونية “هدكلايم” (Hadiklaim)، وهي أكبر مُصدر عالمي لتمور المجهول:

“نحصد ونسوّق نحو 20 ألف طن سنويًا، أي ما يقارب خُمس الإنتاج العالمي”

تسوق التعاونية تمور المجهول الممتازة تحت علامة King Solomon ذات العبوة السوداء والذهبية المعروفة في الأسواق العالمية.

تُعدّ إسرائيل أكبر مُصدّر لتمور المجدول في العالم، إذ تُنتج ما يُقارب 60% من إجمالي إنتاج العالم من هذه التمور، وتُعتبر هذه التمور الإسرائيلية الفاخرة الأفضل والأجود والأكثر لذة في العالم.

إسرائيل لاعب صغير في الإجمالي

من حيث الحجم الكلي لإنتاج التمور، لا تُعد إسرائيل قوة كبرى، فوفق بيانات FAOSTAT لعام 2020، بلغ إنتاجها 48,984 طنًا فقط، أي أقل من 0.5% من الإنتاج العالمي، ما يضعها في المرتبة 18 عالميًا.

تتصدر مصر القائمة بإنتاج يقارب 1.7 مليون طن، تليها السعودية (أكثر من 1.5 مليون طن)، ثم إيران والجزائر، فيما تنتج المغرب أكثر من 130 ألف طن سنويًا.

غير أن الصورة تختلف عند النظر إلى صادرات المجهول تحديدًا؛ إذ تحتل إسرائيل موقعًا متقدمًا عالميًا، ولا تتقدم عليها في الصادرات سوى دول مثل الإمارات والسعودية والعراق وإيران.

السبب يعود إلى أن معظم الدول المنتجة تستهلك الجزء الأكبر من محصولها محليًا، بينما طورت إسرائيل استراتيجية تصدير مركزة على الفئات الفاخرة ذات الهامش الربحي المرتفع.

سوق فاخرة بأسعار استثنائية

تختلف أسعار التمور عالميًا بشكل حاد. فبينما تباع بعض الأصناف بأقل من دولار للكيلوغرام، يبدأ سعر المجهول من 4 دولارات للكيلوغرام، وقد يصل إلى 20 دولارًا للدرجات الممتازة.

الفارق بين أدنى وأعلى جودة قد يصل إلى 20 ضعفًا، وهو أمر نادر في أسواق الفواكه والخضروات.

في مصانع التعبئة، تُصنف تمور المجهول وفق معيارين رئيسيين:

  • الحجم (6 مقاسات): كلما كبر الحجم ارتفع السعر.
  • تماسك القشرة مع اللب: كلما كانت القشرة أكثر التصاقًا باللب ارتفعت الجودة.

وبالجمع بين المعيارين، تُقسم “هدكلايم” التمور إلى 16  درجة جودة، في حين لا تزال بعض المصانع تكتفي بأربع فئات فقط.

المغرب ومصر… منافسة قادمة

رغم الهيمنة الإسرائيلية على المجهول عالميًا، فإن الإنتاج مرشح للتوسع في المغرب ومصر خلال السنوات المقبلة، نظرًا لانخفاض تكاليف العمالة والبنية الإنتاجية مقارنة بإسرائيل.

ويتوقع القطاع أن يرتفع الإنتاج العالمي من 122 ألف طن إلى نحو 300 ألف طن خلال عقد واحد، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المستوى الحالي، وإن ظل يمثل نسبة ضئيلة من إجمالي إنتاج التمور عالميًا.

كوهين يقرّ بأن المنافسة القادمة ستفرض ضغوطًا سعرية، ويقول:

“الدول ذات التكلفة المنخفضة يمكنها تسويق المنتج بسعر أقل، لذلك نعتمد على استراتيجية زراعية وتسويقية متطورة للحفاظ على موقعنا.”

كما أن العملة الإسرائيلية المكلفة مقارنة مع الجنيه المصري أو الدرهم المغربي الذي يتواجد بينهما، يجعل المنتجات الإسرائيلية أقل جاذبية من حيث التسعير.

التقنيات الإسرائيلية لخفض التكلفة

تملك إسرائيل تقنيات وتكنولوجيا متقدمة لزيادة الإنتاج بأقل تكلفة وهي رائدة في الشرق الأوسط على هذا المستوى كما نقلت بعضا من تقنياتها إلى الدول التي طبعت معها وعلى رأسها مصر.

نظرًا لارتفاع كلفة العمالة وصعوبة توفرها، اختارت التعاونية الاستثمار في الروبوتات وأنظمة الفرز البصري بدل نقل عمليات التعبئة إلى دول منخفضة التكلفة.

يقول أرييل إيمرمان، صاحب أحد مصانع التعبئة:

“كان بإمكاننا إرسال التمور إلى أماكن أرخص للتعبئة، لكننا اخترنا التحديث والأتمتة”.

اليوم، تُعد بعض منشآت التعبئة من القلائل عالميًا القادرة على تعبئة تمور المجهول الطرية بالكامل آليًا، مع تقليل مخاطر التلوث وتحسين معايير السلامة الغذائية.