أوكرانيا البيض

رغم الحرب والدمار الذي أصاب مزارع ومناطق إنتاج كاملة، نجحت أوكرانيا في تحويل قطاع البيض والدواجن إلى أحد أكثر القطاعات الزراعية قدرة على الصمود، بعدما رفعت صادراتها إلى مستويات قياسية خلال 2025 واستفادت من نقص المعروض في عدد من الدول الأوروبية بسبب تفشي إنفلونزا الطيور.

وخلال العام الماضي، صدرت أوكرانيا نحو 2.05 مليار بيضة إلى الخارج، بزيادة بلغت 65.6% مقارنة بعام 2024، فيما قفزت قيمة الصادرات إلى نحو 201.9 مليون دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المستوى السابق.

ولا تعكس هذه الأرقام تعافي الإنتاج المحلي فقط، بل تكشف أيضًا عن تحول أوكرانيا إلى مورد مهم للأسواق الأوروبية التي واجهت خلال الفترة نفسها نقصًا في الإمدادات وارتفاعًا في الأسعار، مع اضطرار بعض الدول إلى زيادة وارداتها لتغطية الطلب المحلي.

الحرب لم توقف صناعة البيض الأوكرانية

تعرض قطاع الدواجن في أوكرانيا منذ اندلاع الحرب لضغوط شديدة، خصوصًا في المناطق القريبة من الجبهة أو الواقعة تحت الاحتلال، حيث فقدت بعض المزارع منشآتها أو واجهت صعوبات في الحصول على الأعلاف والطاقة والنقل.

كما أدت اضطرابات البنية التحتية والطرق ومخاطر القصف إلى زيادة تكلفة الإنتاج والتصدير، في وقت كان على الشركات الحفاظ على معايير الأمن الحيوي لمنع انتشار الأمراض داخل المزارع.

لكن المنتجين الأوكرانيين أعادوا بناء أجزاء من عملياتهم وعدلوا شبكات النقل والتوزيع، وهو ما سمح للقطاع بالتعافي تدريجيًا ثم التوسع في الأسواق الخارجية.

والنتيجة أن الحرب التي كان يفترض أن تدمر قدرة أوكرانيا على تصدير المنتجات الحيوانية لم تمنعها من تحقيق واحد من أقوى أعوامها في تجارة البيض.

2.05 مليار بيضة خرجت من أوكرانيا في عام واحد

بحسب بيانات القطاع، بلغت صادرات البيض الأوكرانية خلال 2025 نحو 2.05 مليار بيضة، بزيادة 65.6% على أساس سنوي.

أما من حيث القيمة، فكانت القفزة أكبر، إذ وصلت الإيرادات إلى 201.9 مليون دولار، ما يعكس ليس فقط زيادة الكميات، بل أيضًا ارتفاع الأسعار وقوة الطلب في الأسواق الخارجية.

ويكتسب هذا الرقم أهمية إضافية بالنسبة إلى اقتصاد يعيش تحت ضغط الحرب، لأن كل زيادة في الصادرات الزراعية توفر عملة أجنبية وتدعم الشركات المحلية وسلاسل التوريد والعمالة.

إنفلونزا الطيور في أوروبا فتحت الباب أمام أوكرانيا

لم يكن نجاح أوكرانيا منفصلًا عن الأزمة التي ضربت قطاع الدواجن الأوروبي. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت عدة دول أوروبية موجات من إنفلونزا الطيور، واضطرت بعض المزارع إلى إعدام أعداد كبيرة من الدجاج للسيطرة على تفشي المرض، ما أدى إلى تراجع إنتاج البيض واضطرابات في المعروض.

وفي هذه الظروف، برزت أوكرانيا كمصدر قادر على سد جزء من الفجوة. وتمكنت الشركات الأوكرانية من الاستفادة من قربها الجغرافي من الاتحاد الأوروبي وقدرتها على تلبية المعايير المطلوبة والاستمرار في توريد كميات كبيرة بصورة منتظمة.

هذا الوضع منح المنتجين الأوكرانيين فرصة لزيادة حصتهم السوقية في وقت كان فيه المشترون الأوروبيون يبحثون عن مصادر بديلة ومستقرة.

إسبانيا أكبر مشترٍ للبيض الأوكراني

تظهر خريطة الصادرات أن أوروبا الغربية والوسطى أصبحت الوجهة الأساسية للبيض الأوكراني. واستحوذت إسبانيا على 16.4% من إجمالي الصادرات، لتصبح أكبر سوق منفردة للمنتج الأوكراني.

وجاءت المملكة المتحدة في المرتبة التالية بحصة بلغت 11.9%، ثم جمهورية التشيك بنسبة 10.3%، وبولندا بنحو 10%، فيما استحوذت كرواتيا على 8.7%.

وتعكس هذه الأرقام مدى اعتماد بعض الأسواق الأوروبية بصورة متزايدة على الواردات الأوكرانية، خصوصًا مع استمرار مشكلات الإنتاج المحلي.

بريطانيا تستورد نحو ثلث وارداتها من أوكرانيا

تبدو المملكة المتحدة واحدة من أكثر الحالات إثارة للاهتمام فمعظم البيض المباع للمستهلك البريطاني لا يزال منتجًا داخل البلاد، لكن نحو 11% من البيض يأتي من الخارج.

ومن بين هذه الواردات، أصبحت أوكرانيا أكبر مصدر منفرد، إذ تمثل نحو ثلث البيض المستورد إلى بريطانيا.

وهذا التطور يعكس تغيرًا واضحًا في موقع أوكرانيا داخل سلاسل الإمداد البريطانية، خصوصًا أن البلاد لم تكن تاريخيًا المصدر الأول للبيض بالنسبة إلى السوق البريطاني.

ويعني ذلك أن أي اضطرابات مستقبلية في الإنتاج أو النقل الأوكراني قد يكون لها تأثير مباشر على جزء من المعروض في بريطانيا.

لماذا تستورد أوروبا البيض من دولة تعيش حربًا؟

قد يبدو الأمر متناقضًا للوهلة الأولى، لكن الاقتصاد الزراعي لا يعمل دائمًا بالطريقة التي توحي بها الأخبار السياسية. فبعض مناطق الإنتاج الزراعي الأوكرانية ما تزال قادرة على العمل بكفاءة، كما استطاعت شركات كبرى الحفاظ على الإنتاج ونقل المنتجات عبر طرق بديلة، رغم زيادة التكاليف والمخاطر.

وفي المقابل، واجهت أوروبا مشكلات محلية مرتبطة بإنفلونزا الطيور وارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة وتشديد بعض معايير تربية الدجاج.

وهكذا أصبح المنتج الأوكراني، رغم الحرب، خيارًا اقتصاديًا وتجاريا مهمًا لبعض المستوردين الأوروبيين.

البيض يتحول إلى مصدر مهم للعملة الصعبة

بالنسبة إلى أوكرانيا، لا يتعلق الأمر فقط ببيع منتج غذائي. وصول إيرادات صادرات البيض إلى أكثر من 200 مليون دولار يعني تدفق عملة أجنبية تحتاجها البلاد في وقت تتحمل فيه اقتصاديات الحرب وإعادة الإعمار والحفاظ على نشاط القطاعات الإنتاجية.

كما أن استمرار الشركات الزراعية في التصدير يحافظ على الوظائف ويؤمن دخلاً للمزارع وشركات النقل والتغليف والأعلاف والخدمات اللوجستية.

ولهذا أصبحت قدرة القطاع الزراعي الأوكراني على مواصلة التصدير واحدة من عناصر الصمود الاقتصادي خلال الحرب.

أوروبا تستفيد أيضًا من الصادرات الأوكرانية

لا يمكن النظر إلى القصة باعتبارها مكسبًا أوكرانيًا فقط، فزيادة واردات البيض من أوكرانيا ساعدت بعض الدول الأوروبية على تخفيف آثار نقص المعروض، وبالتالي تقليل احتمالات حدوث ارتفاعات أكبر في الأسعار.

وفي سوق غذائية حساسة مثل البيض، يمكن لأي تراجع كبير في الإنتاج المحلي أن ينتقل بسرعة إلى أسعار المستهلك، خصوصًا أنه يدخل أيضًا في صناعة المخبوزات والأغذية المصنعة والمطاعم.

ومن هذه الزاوية، أصبحت أوكرانيا جزءًا من آلية استقرار الإمدادات الغذائية الأوروبية، رغم أنها نفسها ما تزال تعيش حربًا واسعة.

هل يمكن لأوكرانيا التوسع خارج أوروبا؟

يعتمد مستقبل القطاع إلى حد كبير على استمرار الطلب الأوروبي، لكنه لا يقتصر عليه، فإذا تمكن المنتجون من الحفاظ على مستويات الإنتاج المرتفعة وتحسين البنية اللوجستية، يمكن لأوكرانيا التوسع بصورة أكبر في أسواق الشرق الأوسط وآسيا التي تشهد نموًا سكانيًا وطلبًا متزايدًا على البروتين والمنتجات الغذائية.

وتتمتع البلاد أصلًا بميزة قوية في مجال الحبوب والأعلاف، وهو ما يمنح قطاع الدواجن قاعدة إنتاج مناسبة على المدى الطويل.

لكن التوسع خارج أوروبا سيحتاج إلى استثمارات في النقل والتخزين واتفاقيات تجارية وشهادات صحية مختلفة من سوق إلى آخر.

إنفلونزا الطيور قد تحدد مستقبل السوق

يبقى العامل الأكثر تأثيرًا خلال الفترة المقبلة هو الوضع الصحي لقطاع الدواجن في أوروبا.

إذا استمرت موجات إنفلونزا الطيور وأدت إلى مزيد من عمليات الإعدام وانخفاض الإنتاج الأوروبي، فمن المرجح أن يظل الطلب على البيض الأوكراني مرتفعًا.

أما إذا تعافت مزارع الاتحاد الأوروبي وعادت مستويات الإنتاج إلى طبيعتها، فقد تواجه الشركات الأوكرانية منافسة أكبر وأسعارًا أقل.

كما أن أوكرانيا نفسها ليست محصنة من مخاطر الأمراض، ولذلك يصبح الحفاظ على معايير الأمن الحيوي الصارمة ضرورة أساسية لحماية الإنتاج والأسواق التصديرية.

المخاطر الأمنية واللوجستية لا تزال قائمة

رغم الأرقام القياسية، لا يعمل القطاع في ظروف طبيعية. فالهجمات على منشآت الطاقة والطرق والموانئ يمكن أن تؤثر في قدرة المزارع على الإنتاج أو التبريد أو نقل البضائع، كما أن ارتفاع تكاليف التأمين والنقل يقلل هوامش الربح.

وتظل بعض مناطق البلاد خارج نطاق الإنتاج الطبيعي أو شديدة الخطورة، ما يعني أن جزءًا من النمو الحالي يعتمد على تركيز أكبر للإنتاج في المناطق الأكثر أمانًا.

كما أن أي تصعيد عسكري جديد يمكن أن يغير حسابات التصدير بسرعة.

اقرأ أيضا: لماذا حليب الخنزير هو الأغلى في العالم؟ 500 دولار للتر!

من مزارع تحت الحرب إلى رفوف المتاجر الأوروبية

تكشف قصة صادرات البيض الأوكرانية عن مفارقة اقتصادية لافتة: بلد يخوض حربًا واسعة أصبح في الوقت نفسه أحد الموردين الذين تعتمد عليهم أسواق أوروبية لتجاوز نقص الغذاء.

فخلال 2025 وحده، خرجت من أوكرانيا أكثر من ملياري بيضة، فيما قفزت العائدات إلى أكثر من 200 مليون دولار، وأصبحت إسبانيا أكبر المشترين وبريطانيا واحدة من أهم الوجهات.

وإذا استمرت هذه الوتيرة، فقد لا تكون الطفرة الحالية مجرد نتيجة مؤقتة لنقص الإنتاج الأوروبي، بل بداية تحول طويل الأمد في مكانة أوكرانيا داخل تجارة البيض العالمية.

فالقطاع الذي كان يحاول في بداية الحرب الحفاظ على بقائه أصبح اليوم يوسع صادراته، ويملأ فجوات السوق الأوروبية، ويثبت أن واحدة من أكثر الصناعات تعرضًا للمخاطر قادرة في الوقت نفسه على تحقيق نمو قياسي.

اقرأ أيضا: سعر لحم الخنزير في العراق: لماذا يستورده بمليون دولار سنويًا؟