
عُقدت هذا الأسبوع محادثات جديدة بين المبعوث الأمريكي للسلام ستيف ويتكوف، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وللأسف، فإن الآمال في أن تؤدي هذه المناقشات إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا لا تستند إلى أسس واقعية.
تريد أوكرانيا إنهاء الحرب بضمانات تتيح لها الدفاع عن نفسها في المستقبل، إلى جانب الحصول على دعم عسكري غربي مباشر. أما بوتين فيريد إخضاع أوكرانيا للسيطرة الروسية، إن لم يكن الآن، فبعد خمس أو عشر سنوات. ومن شأن الضمانات الغربية القوية أن تمنع بوتين من تحقيق هذا الهدف، بينما ستترك له الضمانات الضعيفة المجال مفتوحًا للسعي إليه من خلال حرب أخرى.
إن الدافع الذي يحرك بوتين أيديولوجي بعمق. فقد أمضى ضابط الاستخبارات السابق في جهاز «كي جي بي» السوفيتي عقدين من الزمن وهو يصف انهيار الاتحاد السوفيتي بأنه كارثة. ويتطلع بحنين إلى أيام ذروة الحرب الباردة، عندما كانت القوات السوفيتية تتمركز في قلب أوروبا، وكانت موسكو تؤثر في الشؤون العالمية في إطار منافستها مع واشنطن. ووفقًا لرواية بوتين، استغل الغرب ضعف روسيا بعد الحرب الباردة، ووسع حلف شمال الأطلسي «الناتو» شرقًا، وتعامل مع روسيا باعتبارها قوة متوسطة عاجزة إلى حد كبير عن التأثير.
وأصبحت استعادة تلك المكانة المفقودة المهمة المركزية لحكم بوتين. لكن لكي تنهض روسيا، يجب أن تتراجع الولايات المتحدة في أوروبا. ومن دون تحقيق ذلك، لا يستطيع الكرملين منافسة قدرة أمريكا التي لا تضاهى على بسط نفوذها في مختلف أنحاء العالم. ولهذا الأمر أهمية كبيرة في الجهود الدبلوماسية الحالية المتعلقة بالحرب في أوكرانيا.
فماذا سيحدث إذا خسرت أوكرانيا الحرب؟ أو إذا وقعت اتفاقًا يتركها ضعيفة ومكشوفة أمام التهديدات؟ إن مثل هذه النتيجة، التي ستكون استسلامًا مغلفًا بلغة دبلوماسية، ستمنح روسيا فرصة لإعادة بناء قوتها وتوجيه ضربة جديدة وهي أكثر قوة. وإذا تمكنت روسيا من الهيمنة على أوكرانيا، فإنها ستقترب أكثر من قلب أوروبا، وستحصل على موطئ قدم أفضل لتحدي الولايات المتحدة.
وبالنسبة إلى الأمريكيين العاديين، ستكون تكلفة هذا التحول التاريخي كبيرة. وبافتراض بقاء الولايات المتحدة في حلف الناتو، وهو أمر تؤيده أغلبية قوية من الأمريكيين داخل الكونغرس وخارجه، فإن ردع روسيا التي ازدادت جرأة سيصبح أكثر تكلفة بكثير. وستأتي هذه التكاليف في وقت تحاول فيه واشنطن التركيز على تعزيز قدرتها على ردع الصين في المحيط الهادئ. كما أن انتصار روسيا على أوكرانيا سيثبت أن الحدود يمكن إعادة رسمها بالقوة، وأن أمريكا لا تستطيع فعل الكثير حيال ذلك أو لا ترغب في فعله. وستبدأ شبكة التحالفات العالمية، التي تشكل الركيزة الأساسية للقوة والنفوذ الأمريكيين، في التفكك. وسيشكك الحلفاء، من وارسو إلى طوكيو، في الوعود الأمريكية. وفجأة، ستبدو الثقة بأمريكا والاستجابة لطلباتها في السياسة الخارجية خيارين أقل منطقية.
وتدرك موسكو ذلك جيدًا. ولهذا السبب لن يقبل بوتين بأي اتفاق يجعل أمريكا أقوى. فأي تسوية تُبقي أوكرانيا متماسكة ومسلحة ومرتبطة بالغرب ستُعد هزيمة في نظر موسكو. وبالتالي، فإن زيادة الضغط الأمريكي وحدها، وليس الاكتفاء بالشعارات والكلمات المنمقة، هي التي يمكن أن تغير حسابات الكرملين.
وينظر البعض إلى الحرب من زاوية مختلفة. إذ يجادل بعض أنصار المدرسة الواقعية بأن أهداف روسيا تتمحور حول أوكرانيا وإبعاد حلف الناتو عن حدودها، وأن حياد أوكرانيا قد يحقق الاستقرار. ويرى دعاة ضبط النفس أن أوروبا، التي تفوق روسيا ثراءً بكثير، ينبغي أن تتحمل العبء الرئيسي للدفاع عن سيادة أوكرانيا، حتى تتمكن واشنطن من التركيز على الصين. لكن المشكلة تكمن في أن الأجندة العدائية للكرملين تمتد إلى الغرب عمومًا. كما أن القوى الصاعدة مجددًا، التي تنتصر في حرب غزو، نادرًا ما تتوقف عند حدودها الجديدة. ومن المرجح أن تسلك روسيا الطريق نفسه إذا كوفئت على ما فعلته في أوكرانيا.
لقد شنت روسيا هذه الحرب لتغيير ميزان القوى لصالحها، والقوة الرئيسية التي تريد تقليص نفوذها هي أمريكا.
بقلم آني تشخيكفادزه صحفية مقيمة في واشنطن، تغطي الشؤون الدولية في صحيفة واشنطن إكزامينر.
