من كسر أنف أبو الهول؟ إعدام مسلم صوفي مجرم

عند البحث عن إجابة لسؤال من كسر أنف أبو الهول؟ يتبادر إلى الاذهان نابليون بونابارت، قائد الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 ميلادية.

انتشرت هذه القصة على نطاق واسع، حتى أصبحت جزءًا من الوعي الجماعي للكثيرين، خاصة في مصر، لكن الحقيقة التاريخية تكشف أن هذه الرواية ليست سوى أسطورة زائفة.

ويبدو أن من كسر أنف أبو الهول ليس فرنسيا أو من الغرب الذي يعرف قيمة الأهرامات والحضارة المثيرة للإعجاب، بل إنه شخص مسلم اسمه محمد بن صديق التبريزي.

من هو محمد صائم الدهر الذي كسر أنف أبو الهول؟

محمد بن صديق التبريزي، الملقب بـ”صائم الدهر”، كان صوفيًا متطرفًا ينتمي إلى طائفة “خانقاه سعيد السعداء” التي أسسها صلاح الدين الأيوبي في القاهرة عام 1168م.

عُرف هذا الرجل بتقشفه الشديد، حيث كان يصوم طوال العام ولا يفطر إلا على الحمص المملح، لكن ما ميّزه أكثر كان تطرفه الديني، حيث رأى في الحضارة المصرية القديمة رمزًا للوثنية والشرك بالله.

وفي نظره، كانت تماثيل الفراعنة، بما فيها أبو الهول، أصنامًا جاهلية يجب تحطيمها وفقًا لتفسيره المتشدد لتعاليم الإسلام.

في عام 1378م، وبناءً على رؤيا زعم أنه رآها في منامه، حيث ظهر له شخص يرتدي ثيابًا بيضاء يأمره بتدمير أبو الهول لأنه “يُعبد من دون الله”، صعد صائم الدهر إلى التمثال حاملًا أدوات حادة، وبدأ في تشويه وجهه، مستهدفًا الفم والأنف، حتى حطم الأنف بالكامل.

لكن فعلته لم تمر دون عقاب، فقد أبلغ السكان المحليون عنه، وقبضت عليه قوات السلطان المملوكي الظاهر برقوق، ليُحاكم ويُحكم عليه بالإعدام وسط غضب شعبي واسع، ويقال إن جثته دُفنت علنًا بجوار أبو الهول لتهدئة الغضب الشعبي.

الأدلة التاريخية تكذب أسطورة نابليون

الرواية التي تحمل نابليون مسؤولية تدمير أنف أبو الهول بدأت تنهار مع ظهور أدلة تاريخية وأثرية تثبت أن التمثال كان بدون أنف قبل وصول الحملة الفرنسية بقرون، من أبرز هذه الأدلة:

  1. رسومات فريدريك لويس نوردن: في عام 1737م، أي قبل وصول نابليون بأكثر من ستين عامًا، قام الرحالة الدنماركي فريدريك لويس نوردن برسم تخطيطي دقيق لأبو الهول، نُشر لاحقًا في كتابه “رحلة إلى مصر والنوبة” عام 1755م، تُظهر هذه الرسومات التمثال بدون أنف، مما يؤكد أن الضرر حدث قبل الحملة الفرنسية.

  2. موسوعة بريتانيكا: تُشير الموسوعة إلى أن نابليون كان معجبًا بالحضارة المصرية القديمة، واصطحب معه فريقًا من العلماء والفنانين الذين وثّقوا الآثار المصرية بدقة، جميع الرسومات التي أُنتجت خلال الحملة الفرنسية تُظهر أبو الهول بدون أنف، مما يعزز فكرة أن الضرر سبق وصوله.

  3. قناة History: تؤكد القناة أن القصة المتداولة عن إطلاق جنود نابليون النار على أنف أبو الهول هي مجرد أسطورة، الرسومات التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الثامن عشر تُظهر التمثال بدون أنف، مما يثبت أن الضرر حدث قبل ذلك بكثير.

  4. الدراسات الأثرية: تُظهر الدراسات أن أنف أبو الهول أُزيلت عمدًا باستخدام أدوات مثل القضبان أو الأزاميل، التي أُدخلت بقوة في منطقة الأنف لخلعها، هذا النوع من الضرر يتعارض مع فكرة تدمير الأنف بواسطة قذيفة مدفعية، ويدعم نظرية التخريب المتعمد في فترة سابقة.

  5. رواية المقريزي: المؤرخ المصري تقي الدين المقريزي، في القرن الخامس عشر، نسب تدمير أنف أبو الهول إلى محمد صائم الدهر، مؤكدًا أن الفعل تم بدافع ديني متطرف عام 1378م.

أسطورة لعنة الفراعنة

يقال إن مصر، بعد هذه الحادثة، تعرضت لعاصفة رملية شديدة تسببت في زحف الرمال على منطقة الجيزة، مما أدى إلى تغطية جزء كبير من الأهرامات وتمثال أبو الهول.

اعتبر المصريون هذه العاصفة في تراثهم الشعبي عقابًا إلهي ““لعنة الفراعنة” التي تلحق بكل من يمس الآثار المصرية بسوء.

لكن بعيدًا عن الأساطير، فإن رد فعل الشعب المصري تجاه فعلة صائم الدهر كان قويًا، حيث ثاروا ضده وطالبوا بمعاقبته، مما يعكس ارتباطهم العميق بتراثهم الحضاري، حتى في ظل الحكم المملوكي الذي شهد اضطهادًا للأقباط والمصريين عمومًا.

تُعد حادثة تدمير أنف أبو الهول على يد صائم الدهر حلقة في سلسلة طويلة من الصراع بين التطرف الديني والتراث الإنساني، هذا الصراع لم يقتصر على العصر المملوكي، بل امتد إلى العصور الحديثة، حيث شهدنا تدمير آثار حضارية في العراق وسوريا وأفغانستان على يد جماعات متطرفة.

في مصر، التي تُعد مهدًا لإحدى أعظم الحضارات في التاريخ، يبدو أن الوعي بأهمية التراث الحضاري قد تراجع لدى البعض، هناك من يجهل تاريخه، وهناك من قد يبرر أفعالًا مثل فعلة صائم الدهر بدوافع دينية أو ثقافية، هذا الجهل يُشكل خطرًا حقيقيًا على الآثار المصرية، التي تُعد تراثًا إنسانيًا عالميًا.