السيسي ترامب

في اتصال هاتفي جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بنظيره الأمريكي ماركو روبيو، استنجدت مصر بالولايات المتحدة الأمريكية التي لطالما قدمت مساعدات مالية وعسكرية وهي ثاني أكبر مستفيد بعد إسرائيل.

لم يكن الإتصال في جوهره، مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة أو استعراضًا روتينيًا للشراكة الممتدة بين البلدين، بل بدا أقرب إلى جرس إنذار اقتصادي صادر من دولة بدأت تشعر بأن حرب إيران لا تشتعل بعيدًا عنها، بل تلتهم ما تبقى من هوامش الأمان في اقتصادها الهش.

ووفق البيان المصري الرسمي، شدد عبد العاطي بوضوح على ضرورة تقديم دعم اقتصادي عاجل وتوفير سيولة نقدية لمواجهة آثار اضطراب أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات قناة السويس والسياحة، هذه ليست لغة دولة مرتاحة؛ هذه لغة دولة تضيق عليها الحلقة بسرعة.

الرسالة التي خرجت من القاهرة يمكن قراءتها على نحو أبسط وأكثر قسوة، مصر تتأذى من الحرب، وتريد من واشنطن أن تتدخل قبل أن تتعمق الأزمة أكثر.

فحين تضطر الخارجية المصرية إلى وضع ملف السيولة النقدية على طاولة الاتصال السياسي الرفيع مع الولايات المتحدة، فهذا يعني أن المسألة تجاوزت حدود الشكوى العامة من الأوضاع الإقليمية، ودخلت منطقة البحث عن مظلة إنقاذ أو على الأقل عن شريان دعم يخفف نزيفًا يتسارع مع كل يوم من التوتر.

والاستنتاج هنا تحليلي، مبني على صياغة البيان المصري نفسه وعلى طبيعة الملفات الاقتصادية التي طلبت القاهرة دعماً عاجلاً لمواجهتها.

الحرب المرتبطة بإيران ضربت مصر في الأماكن الأكثر إيلامًا، أسعار الطاقة ارتفعت، وتكاليف الغذاء ترتفع والشعب لا يستطيع ان يتحمل، وقناة السويس التي كانت أصلًا تعاني من الاضطرابات الأمنية في مسارات الملاحة تواجه خطرًا إضافيًا بسبب عدوان الحوثي، فيما يبقى قطاع السياحة حساسًا للغاية لأي تصعيد إقليمي واسع.

وقد أشارت رويترز إلى أن مصر من أكثر الاقتصادات المعرضة للضرر من هذه الحرب، لأنها تواجه في الوقت نفسه ارتفاع كلفة الوقود والغذاء، واحتمال تراجع إيرادات القناة والسياحة، إلى جانب تزايد صعوبة خدمة ديونها المقومة بالدولار.

بل إن الضغوط لم تعد نظرية، فقبل أيام فقط، نقلت رويترز أن مصر تعهدت بتسريع سداد 1.3 مليار دولار من المتأخرات المستحقة لشركات النفط الأجنبية بحلول يونيو، في محاولة لاستعادة الثقة وزيادة الإنتاج المحلي، بعدما أدى نقص العملة الصعبة سابقًا إلى تراكم ديون كبيرة على الدولة في هذا الملف.

التقرير نفسه أوضح أن فاتورة الطاقة المصرية قفزت مع التوترات الجيوسياسية، وأن معهد التمويل الدولي قدّر أن ارتفاع أسعار النفط قد يضيف على الإنفاق المصري ما بين 0.2% و0.55% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أن القاهرة لا تواجه مجرد عاصفة عابرة، بل ضربة جديدة تأتي فوق أرضية مالية متعبة أصلًا.

ورغم أن صندوق النقد الدولي قد أتاح للقاهرة في فبراير نحو 2.3 مليار دولار إضافية بعد إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة للبرنامج، لكن هذا الدعم لم يُلغِ حقيقة أن الاقتصاد المصري ما يزال يعمل تحت ضغط ديون مرتفعة واحتياجات تمويلية كبيرة وهشاشة مزمنة أمام الصدمات الخارجية.