
في تحول ثقافي هادئا لكنه عميق، تصدّر مسلسلان أمريكيان يتناولان مواضيع المثلية الجنسية والكويرية قائمة أكثر الأعمال مشاهدة على نتفليكس في عدة دول بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
إنهما “Boots” و”The Hunting Wives”، اللذان يمزجان الدراما بالانتقاد الاجتماعي والغموض، حيث حققا ملايين المشاهدات في أسابيع قليلة، متجاوزين الأعمال الدرامية التقليدية والكوميديا الخفيفة.
الإمارات والسعودية في الصدارة
هذا التصدّر المفاجئ للمغفلين، يأتي في ظل سياق إقليمي يُعتبر فيه مثل هذه المواضيع حساسة ونادرة الظهور لكنها موجودة في الواقع وبقوة، كما أنه يثير تساؤلات حول رغبة الجمهور في استكشاف قصص متنوعة وجريئة، بعيداً عن قصص الحب المغايرة الشائعة.
وفقاً لتقارير نتفليكس الرسمية، احتل “Boots” المرتبة الأولى في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بينما جاء “The Hunting Wives” في المرتبة الثانية في مصر والأردن، مع ارتفاع بنسبة 40% في المشاهدات خلال الأسبوع الماضي.
هذه الأرقام، التي تُفوق حتى الأعمال العربية الشهيرة مثل “دبي بلينغ” أو “التبادل”، تُبرز كيف أصبحت المنصات الرقمية جسرًا لقصص كانت غائبة عن الشاشات التقليدية في المنطقة، حيث تُحظر أو تُقصى مثل هذه المواضيع في الإعلام المحلي بسبب الضوابط الثقافية والدينية.
هل يُمثل هذا بداية عصر جديد للتمثيل الكويري على الشاشات الإقليمية، أم مجرد هروب مؤقت من الواقع؟
مسلسل “Boots“
يُقدّم “Boots”، الذي عُرض على نتفليكس في 22 سبتمبر 2025، قصة مُلهمة ومُؤلمة في آن واحد، مستوحاة من مذكرات غريغ كوب وايت “The Pink Marine”.
يدور المسلسل حول كاميرون كوب (يُجسّده مايلز هايزر، المعروف من “13 Reasons Why”)، مراهق مثلي يعاني من التنمر في مدرسته في التسعينيات، ينضمّ impulsively إلى فيلق المارينز الأمريكي مع صديقه راي ماكافي (توم هولاندر).
في معسكر التدريب الصارم، يواجه كاميرون نظامًا عسكريًا يُجبره على إخفاء هويته الجنسية، في عصر كانت فيه “سياسة لا تسأل، لا تخبر” (Don’t Ask, Don’t Tell) تُطبّق بقسوة، مما يجعل الجيش مكانًا للقمع والخطر على الجنود الكويريين.
السلسلة، التي تتكون من 8 حلقات، تمزج بين الدراما العاطفية والكوميديا السوداء والانتقاد الاجتماعي الحاد، حيث يُظهر المخرج جايسون باتمان كيف يُشكّل الجيش “أخوّة” غير متوقعة بين المجندين، لكنها تُكلّف كاميرون صراعًا داخليًا مدمّرًا.
في مقابلة مع “فاريايتي”، قال هايزر: “كاميرون ليس ضحية فقط؛ هو بطل يتعلم أن يحارب الوحوش الخارجية والداخلية، وهذا ما يجعله قريبًا من الجمهور الشاب في كل مكان”، مشيرًا إلى تجربته الشخصية في الخروج عن الخزانة أمام عائلة محافظة.
الإنتاج، الذي شاركت فيه فيرا فارميغا كوالدة كاميرون، حقق تقييمًا عاليًا على IMDb (8.2/10)، لكنه أثار غضبًا في الولايات المتحدة، حيث وصفه مسؤولون في البنتاغون بـ”الهراء اليقظ”، معتبرينه هجومًا على التراث العسكري.
في الشرق الأوسط، يبدو أن الجمهور ينجذب إلى هذه القصة ليس فقط بسبب الإثارة، بل لأنها تعكس صراعات عالمية حول الهوية والقمع، وفي هذا الصدد كتبت مدونة مصرية: “الناس هنا يشاهدونها سرًا، لأنها تتحدث عن الاختباء والشجاعة”، مشيرة إلى أن المسلسل يُشاهد في مجموعات خاصة على واتساب لتجنب الفضول العائلي.
مسلسل “The Hunting Wives“
أما “The Hunting Wives”، الذي انطلق في 15 يوليو 2025 وعاد بموسم ثانٍ في سبتمبر، فيغوص في عالم أكثر غموضًا وإثارة، مستوحى من رواية النجاح ماي كوب.
تتبع السلسلة صوفي أوّنيل (بريتاني سنو، من “Pitch Perfect”)، امرأة تنتقل مع عائلتها من بوسطن إلى بلدة ريفية محافظة في شرق تكساس، حيث تُغرَى بجاذبية مارغو بانكس (مالين أكرمان، من “Watchmen”)، زعيمة مجموعة “الزوجات الصائدات” الثريات.
ما يبدأ كصداقة اجتماعية يتحوّل إلى شبكة من الرغبات المثلية المحرّمة، مليئة بالغيرة والخيانة، مع جريمة قتل تكشف أسرارًا مُظلمة حول الدين والطبقة الاجتماعية.
مع 10 حلقات في الموسم الأول، يمزج المسلسل بين الغموض الجنائي والدراما النفسية، حيث تُبرز كاتي لويس (من “Scandal”) وديرموت مولروني دورًا في تعزيز التوتر.
التقييم على Rotten Tomatoes وصل إلى 78%، مع وصفه بـ”الفوضوية الجنسية الصيفية”، وفي الموسم الثاني، الذي أُعلن عنه في سبتمبر، ستتعمق القصة في “الدراما الجديدة”، مع عودة أكرمان وسنو كنجمتين رئيسيتين.
في المنطقة، يُشاهد المسلسل كـ”هروب من الروتين”، حيث يُناقش النساء في مجموعات فيسبوك المغلقة كيف يُشبه صراع صوفي قيودهن الاجتماعية.
تحول ثقافي أم هروب مؤقت؟
هذه ليست المرة الأولى التي تنجح فيها مسلسلات نتفليكس التي تتناول المثلية الجنسية والتحول الجنسي في المنطقة، الأسماء متعددة وبشكل واضح في آخر 5 سنوات.
تُحظر معظم الأعمال الكويرية على الشاشات التلفزيونية المحلية، وتُقصى من المنصات الرسمية في بعض الدول. وفقًا لقائمة نتفليكس لأفضل الأعمال في الإمارات لأكتوبر 2025، يحتل “Boots” المرتبة الأولى بين 10 مسلسلات جديدة، متفوقًا على “Monster: The Ed Gein Story” و”Genie, Make a Wish”.
في السعودية، يبدو الجمهور أكثر انفتاحًا، مع ارتفاع في البحث عن “مسلسلات مثلية” بنسبة 25% خلال الشهر الماضي، حسب بيانات جوجل تريندز الإقليمية.
الخبراء يرون في هذا “تحوّلاً واضحًا” في ذوق الجمهور الشاب (18-35 عامًا)، الذي يشكّل 60% من مستخدمي نتفليكس في المنطقة.
ويقول خبراء أن “الجيل الجديد يريد قصصًا حقيقية، لا مثالية” ومن المعلوم أن قصص المثليين تبرز التحديات التي تواجههم وتشرح للمغايرين معاناتهم على أرض الواقع.
