مجازر الساحل السوري

تمرّ هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لمجازر الساحل التي قُتل فيها مدنيون علويون على الهوية. الرحمة للضحايا، والعزاء لعائلاتهم. والواجب الأخلاقي الأول في مثل هذه اللحظات هو تسمية ما حدث باسمه: قتلٌ جماعي استهدف بشراً بسبب انتمائهم، لا بسبب أفعال ارتكبوها.

لكن ذكرى المجازر لا تتعلق فقط بالترحم على الضحايا وتذكرهم، بل هي أيضاً لحظة للتفكير في المسار الذي دخله الصراع السوري. فما حدث في الساحل لم يكن مجرد حلقة أخرى من العنف، بل شكّل ذروة رمزية لانتقال الصراع من نزاع سياسي على السلطة والدولة إلى صراع هوياتي يُعاد فيه تعريف الناس وفق طوائفهم وانتماءاتهم.

هذا التحول لم يحدث فجأة. إحدى حلقاته الأخيرة ظهرت في حمص فور سقوط النظام، وتفاعلت بصمت قبل أن تظهر بوضوح في فاحل، ثم أخذت تتسع تدريجياً حتى انفجرت في الساحل العام الماضي. بعد ذلك انتقل التوتر نفسه إلى السويداء، وكاد أن ينفجر مرة أخرى في مناطق الأكراد. أما جذور هذا المسار فهي أعمق بكثير؛ إذ هي نتيجة تراكمية لعقود من الصراع السوري جرى خلالها الاستثمار في خطاب هوياتي تعبوي استخدمته جماعات مسلحة متعددة لحشد الأنصار وتبرير العنف.

وبالطبع فإن قول ذلك لا يعني تبرئة النظام من العنف. عنف النظام كان عنفاً سياسياً استهدف المعارضين والمطالبين بالحرية والديمقراطية على اختلاف انتماءاتهم. لكن عنف الجماعات الإسلاموية سلك مساراً مختلفاً، إذ جرى غالباً تحت غطاء العنف الهوياتي، وهو أخطر أنواع العنف لأنه يغيّر قواعده نفسها. فعندما يتحول الانتقام الطائفي إلى منطق مهيمن يبدأ أولاً بتجريد الإنسان من فرديته؛ فلا يُسأل الفرد عمّا فعل، بل عمّن يكون. يُختزل إلى اسم طائفة أو جماعة، ويصبح مجرد حامل لهوية جماعية لا شخصاً مسؤولاً عن أفعاله.

ومن هنا يصبح العنف قابلاً للتبرير أخلاقياً داخل الجماعة المنفِّذة، إذ يُعاد تعريف القتل بوصفه دفاعاً عن الجماعة أو ثأراً تاريخياً. ويجري تلوين كل من يقف في الضفة الأخرى باللون نفسه لتسهيل استهدافه “أخلاقياً”. ولا يغيب عن الذاكرة مشهد المقاتل الذي كان يشرح بفخر عن “مدفع جهنم” في معرض الكتاب، متباهياً بأنه كان “يزلزل النظام”، بينما يعرف الجميع أن هذا السلاح كان يسقط على الأحياء المدنية ويقتل المدنيين، بل ويصيب في كثير من الأحيان أبناء الطائفة التي يُفترض أنه يدافع عنها. ذلك المقاتل وغيره كانوا ضحايا عملية تعبئة ذهنية جعلتهم يرون كل من في الطرف الآخر “علويين” أو “فلولاً” يجوز قتلهم.

عندما يترسخ هذا الواقع الهوياتي للصراع تتكاثر دوائر الانتقام بسرعة مدمّرة. فكل جريمة تخلق ذاكرة جماعية جديدة، وهذه الذاكرة تتحول بدورها إلى وقود لجريمة لاحقة. وهكذا فإن المجازر القائمة على الهوية لا تقتل ضحاياها فقط، بل تدفع المجتمع كله إلى دائرة لا تنتهي من الثأر المتبادل.

والنقطة التي يغفلها كثيرون أن هذا النوع من العنف لا يدمر الضحايا وحدهم، بل يدمر أيضاً الجماعة التي يُرتكب العنف باسمها، إذ يجري تجريمها وربط مستقبلها السياسي والأخلاقي بفعل لا علاقة لها به ولا يمكن الدفاع عنه. ولهذا فإن المجتمعات التي تدخل هذا المسار تحتاج في العادة عقوداً طويلة للخروج منه.

إن استذكار مجازر الساحل يجب أن يكون أكثر من مجرد رثاء للضحايا. إنه تأكيد على حقيقة قاسية: الصراع الطائفي حالة قاتلة للجميع. لا يوجد منتصر في حرب الهوية، لأن منطقها يقوم على الإلغاء المتبادل. وهذا المنطق لا يقتصر على ما يسمى اليوم بالصراع ضد “الأقليات”، دينية كانت أو عرقية؛ فهو سرعان ما يتحول إلى أداة لإلغاء أي جماعة مختلفة، دينية كانت أو عرقية أو اجتماعية، وكل من يقف خارج مشروع الهيمنة والسيطرة.

لهذا فإن النقاش الحقيقي حول مثل هذه الأحداث لا يجب أن يقتصر على توثيق الجرائم، رغم أهمية ذلك، بل يجب أن يتجه أيضاً إلى السؤال الأصعب: كيف يمكن إعادة بناء المجال العام بحيث لا تعود الهوية معياراً للعنف؟

هذا الموقف الجذري من الصراع الطائفي لا يحتمل خطاب “الوسطية” الزائفة، ولا الخطاب الذي يتخيّل نفسه واقفاً في المنتصف. فالمسألة هنا ليست بين مقاتلين متحاربين، ولا بين رأيين سياسيين متعارضين، بل بين منطق إبادة طائفية يستهدف جماعات كاملة، ومنطق حكم وهيمنة يُمارَس باسم الطائفة الغالبة، وبين مدنيين تعرضوا للقتل والانتهاك ومجتمع يتم اخضاعه باسم الهوية والغلبة والغنيمة. إن رفض الطائفية لا يعني إنكار المجازر ولا تجاهل ما يجري سياسياً؛ بل يبدأ بالاعتراف بما يحدث وتسميـة الأمور بأسمائها.

الطريق الوحيد للخروج من هذه الحلقة ليس بتبديل جماعة مهيمنة بأخرى، بل بكسر منطق الهيمنة نفسه. العدالة لا تكون لطائفة، والحماية لا تكون لجماعة، بل للإنسان بوصفه مواطناً متساوياً في الكرامة والحقوق.

الرحمة لضحايا الساحل، ولجميع ضحايا هذه الحرب.

ولعلّ بقاء هذه المجازر في الذاكرة لا يكون بداية صراع طائفي جديد، بل تحذير دائم من الطريق الذي لا ينبغي لهذا البلد أن يسلكه مرة أخرى.

بقلم أنس جودة محلل شؤون الشرق الأوسط وقائد مدني | باحث في الحوكمة ما بعد النزاعات، وبناء السلام، والهوية الوطنية | ماجستير في القانون | مؤسس ورئيس حركة بناء الأمة