طُعم الغضب

في الأول من ديسمبر 2025، أعلنت دار نشر جامعة أكسفورد، المسؤولة عن قاموس أكسفورد الإنجليزي، أن مصطلح “رَيْج بَيْت” (Rage Bait)، أو “طُعم الغضب” بالعربية، هو كلمة العام.

هذا الإعلان لم يأتِ صدفة، بل يعكس تحولًا جذريًا في ديناميكيات الإنترنت، حيث أصبح الغضب أداة استراتيجية لجذب الانتباه وزيادة التفاعل.

مع تصويت أكثر من 30 ألف شخص، وتحليل بيانات لغوية هائلة، تفوق “طُعم الغضب” على مرشَّحَيْن آخرَيْنِ: زراعة الهالة (Aura Farming) والتعديل البيولوجي.

تعريف طُعم الغضب

يُعَرَّفُ “طُعم الغضب” بأنه “محتوى عبر الإنترنت مصمَّمُ عمدًا لإثارة الغضب أو الاستياء من خلال أن يكون محبطًا أو مثيرًا للجدل أو مسيئًا، وذلك عادةً لزيادة حركة المرور أو التفاعل مع صفحة ويب معيَّنة أو حساب على وسائل التواصل الاجتماعي”.

هذا التعريف الرسمي من أكسفورد يبرز الجانب المتعمد في العملية، حيث لا يقتصر الأمر على الجدل العَرَضِيِّ، بل يُحَوَّلُ الغضب إلى سلعة اقتصادية.

يُشْبِهُ المصطلح “طُعْم النقرات ” (Clickbait)، لكنه أكثر تَرْكِيزًا على العواطف السلبية، مما يجعله أداة فعالة في عصر الخوارزميات التي تفضِّل المحتوى العاطفيَّ الشديد.

في السياق الرقمي، يعتمد طعم الغضب على صيغة بسيطة: بيان جريء او فعل مثير للاشمئزاز، يقدم بثقة مطلقة ليثير ردود فعل عنيفة.

على سبيل المثال، قد ينشر صانع محتوى رأيا مسيئا حول قضية حساسة مثل الهجرة او الجندر، ليس للنقاش الحقيقي، بل لجمع الاف التعليقات الغاضبة التي تعزز ظهور المنشور في تغذية الجمهور.

هذا التلاعب ليس جديدا، لكنه شهد زيادة ثلاثة اضعاف في استخدامه خلال 2025، مدفوعا بتغيرات في سياسات المنصات وارتفاع الوعي بالتأثيرات النفسية السلبية.

من طعم النقرات الى زراعة الغضب

ظهر مصطلح “ريج بيت” لأول مرة حوالي عام 2009، كتوسع لمفهوم “طعم النقرات” الذي عرف منذ اواخر التسعينيات. في البداية، كان يستخدم لوصف التحريريات الجدلية في الصحف الالكترونية، لكنه تطور مع انتشار وسائل التواصل الى أداة يومية.

بحلول 2022، برز “زراعة الغضب” (Rage Farming) كفرع منه، حيث يستخدم الناشرون الغضب من أجل تضخيم الرسائل الاصلية.

في 2025، أصبح المصطلح رمزا للحياة الرقمية، مع دوران الأخبار حول الاضطرابات الاجتماعية والمناقشات حول رقابة المحتوى.

مع تزايد الوعي أكثر بطعم النقرات الذي لا يزال يستخدم على نطاق واسع خصوصا في يوتيوب، يأتي طعم الغضب ليكون داخل المحتوى نفسه وليس في العناوين بالضرورة.

دور منصات التواصل في ازدهار طعم الغضب

تعزز فعالية طعم الغضب بفعل الخوارزميات في منصات التواصل التي تفضل المحتوى ذات التفاعل العالي.

على مختلف منصات التواصل خصوصا فيسبوك وانستقرام واكس وحتى تيك توك، كلما حصل منشورا معينا على المزيد من التعليقات والتفاعل بما فيه لم يعجبني أو أغضبني، كلما ظهر للمزيد من المستخدمين وشارك المزيد منهم في النقاش بالتعليقات.

في الوطن العربي تستخدم الصفحات الدينية وحتى الملحدة طعم الغضب لاستفزاز الجمهور الآخر والدخول في صراعات كلامية تعزز من وصول تلك الصفحات وظهورها للمزيد من الناس.

يتميز طعم الغضب بتنويعه، من المحتوى الكوميدي الى الجاد. في مجال الطعام، ينشئ بعض الصانعين وصفات مقرفة مصممة لإثارة الغضب، كوصفة “بوريتو مع المايونناز” التي تثير جدلا حول التقاليد المكسيكية.

كما رأينا ذلك بوضوح في منشورات الرياضة حيث تضخم الصفحات الذي تمارسه بعض اللاعبين العاديين وتستفز بذلك أنصار اللاعبين الكبار، إلى جانب استخدام الاستقطاب لأغراض زيادة التفاعل.

في النقاشات السياسية يبرز “اندرو تيت” كمثال، حيث ينشئ محتوى يهجم الحركات النسوية لجمع المشاهدين الغاضبين، محققا ملايين المشاهدات.

كذلك في مجال المرأة، اثارت مؤثرة مثل “بوني بلو” جدلا حول القوة الجنسية والأخلاقيات في هذه المسألة عندما كشفت عن ممارستها الجنس مع أكثر من 1000 شخصا في 12 ساعة.