
في خطوة تاريخية أعلنت عنها بريطانيا اليوم، أصبحت المملكة المتحدة الدولة الغربية الرئيسية التي تعترف رسمياً بدولة فلسطين، فيما تتبعها كندا وأستراليا في إعلان مشابه، مما يعزز من الزخم الدولي نحو حل الدولتين.
يأتي هذا الاعتراف، الذي طال انتظاره، في سياق متصاعد من التوترات في الشرق الأوسط، لكنه ليس مجرد رد فعل على الأحداث الأخيرة، بل خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة.
ماذا يعني اعتراف بريطانيا بفلسطين؟
ومع ذلك، فإن اعتراف بريطانيا بفلسطين ليس انتصاراً لحركة حماس، كما يحاول البعض تصويره، بل هو في الواقع إعلان عن نهاية دورها السياسي والعسكري، وإغلاق صفحة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي أصبح يهدد استقرار الشرق الأوسط بأكمله والنظام الدولي.
إن هذا الاعتراف التاريخي يعد تتويجاً لجهود دبلوماسية أوروبية بدأت مع إسبانيا والنرويج وأيرلندا في مايو 2024، وامتدت إلى فرنسا في أغسطس الماضي، حيث أصبحت اليوم قاعدة أوسع تشمل دولاً غربية رئيسية.
بريطانيا تعترف بفلسطين أخيرا ليس كرد على هجوم 7 أكتوبر 2023، بل كجزء من رؤية طويلة الأمد تضمن عدم تكرار مثل هذه الأحداث، من خلال إنشاء دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمان.
خلفية الاعتراف البريطاني: تحول في السياسة الغربية
شهد العالم في الأشهر الأخيرة تسارعاً في الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، حيث أعلنت بريطانيا اليوم، في 21 سبتمبر 2025، عن اعترافها الرسمي بها كدولة ذات سيادة، مع تحديد الحدود على أساس خطوط 1967 مع تعديلات متفق عليها مستقبلاً.
هذا الإعلان جاء بعد أسابيع من التشاور مع حلفاء غربيين، ويتبعه إعلان كندا وأستراليا عن اعتراف مشابه، مما يعكس تحولاً في الموقف الغربي تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
بريطانيا، التي كانت مسؤولة تاريخياً عن وعد بلفور في 1917 الذي مهد لإقامة إسرائيل، ترى في هذا الاعتراف تصحيحاً تاريخياً.
وفقاً لتصريحات رئيس الوزراء كير ستارمر، فإن “هذا الحل ليس مكافأة لحماس، لأنه يعني أن حماس لن يكون لها مستقبل، ولا دور في الحكومة، ولا دور في الأمن”.
هذا التصريح، الذي ألقي أمام البرلمان البريطاني، يؤكد أن الاعتراف بريطانيا بفلسطين يهدف إلى تعزيز السلام، لا إلى دعم الإرهاب كما تصوره حكومة إسرائيل أو حماس نفسها التي تحتفل بالقرار.
في الوقت نفسه، أكدت كندا أن “الاعتراف بفلسطين جزء من استراتيجية لإنهاء الصراع، وليس رد فعل على عنف حماس”.
أما أستراليا، فقد أعلنت وزيرة الخارجية بيني وونغ أن “هذا الخطوة تضمن عدم تكرار 7 أكتوبر، من خلال بناء دولة فلسطينية ديمقراطية”.
هذه التصريحات تعكس إجماعاً غربياً يتجاوز الولايات المتحدة، التي ما زالت متمسكة بموقفها التقليدي، حيث أصبح المجتمع الدولي مقتنعاً بأن الحل الدولتين هو السبيل الوحيد للاستقرار.
تصريحات المسؤولين الغربيين: رفض فكرة “المكافأة لحماس”
لقد حرص المسؤولون الغربيون على نفي أي ارتباط بين الإعتراف بدولة فلسطين وحماس، معتبرين أن مثل هذا الربط محاولة إسرائيلية للالتفاف على الضغط الدولي.
في بيان رسمي أصدرته حكومة بريطانيا، أكد ستارمر أن “الحل الدولتين ليس مكافأة لحماس، لأنه يعني أن حماس لن يكون لها أي دور في المستقبل”.
وفي مقابلة مع قناة بي بي سي، أضاف: “نحن نعترف بفلسطين لأن الشعب الفلسطيني يستحق دولة، لا لأننا ندعم الإرهابيين”.
من جانبها، أكدت فرنسا، التي سبقت الاعتراف في أغسطس الماضي، من خلال الرئيس إيمانويل ماكرون، أن “الاعتراف بدولة فلسطينية هو الطريق الوحيد لمنع تكرار الهجمات مثل 7 أكتوبر، وهو يضمن أن حماس تُقصى من المعادلة السياسية”.
كذلك، أشارت إسبانيا، التي كانت رائدة في الاعترافات الأوروبية، إلى أن “هذا ليس انتصاراً للعنف، بل انتصاراً للسلام”.
هذه التصريحات، التي ترددت في وسائل الإعلام الغربية، تؤكد أن بريطانيا تعترف بفلسطين كجزء من رؤية أوسع لإعادة بناء الشرق الأوسط، بعيداً عن نفوذ الجماعات المسلحة.
فكرة حماس: المتاجرة بالقضية الفلسطينية عبر الإرهاب
في الوقت الذي يحتفل فيه بعض النشطاء الفلسطينيين بالاعتراف البريطاني، يجب التفريق بين القضية الفلسطينية العادلة وحركة حماس، التي بنت فكرتها الأساسية على المتاجرة بهذه القضية من خلال ممارسة الإرهاب.
حماس، التي تأسست في 1987 كذراع عسكرية للإخوان المسلمين، لم تقدم يوماً مشروعاً حقيقياً للسلام، بل اعتمدت على استراتيجية التصعيد العنيف لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأمد.
هجوم 7 أكتوبر 2023، الذي أسفر عن مقتل أكثر من 1200 إسرائيلي وأسر مئات، كان تعبيراً صارخاً عن رؤيتها: إبادة مواطني إسرائيل، لا التعايش السلمي.
وفقاً لتقارير منظمات دولية مثل الأمم المتحدة، فإن ميثاق حماس الأصلي يدعو إلى تدمير إسرائيل، ولم يتم تعديله جوهرياً رغم الوعود الشفهية.
هذه الحركة، التي تسيطر على غزة منذ 2007، استخدمت المساعدات الدولية لإنشاء شبكات إرهابية بدلاً من بناء مؤسسات دولة، مما أدى إلى عزلة فلسطينية أكبر.
ولهذا السبب فإن الاعتراف البريطاني بدولة فلسطين يُقصي حماس من المشهد، إذ يشترط الاعترافات الغربية على إقصائها من أي حكومة فلسطينية مستقبلية، وتعزيز السلطة الفلسطينية كبديل ديمقراطي.
تأثير الاعتراف على الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي
يُعد اعتراف بريطانيا بفلسطين خطوة حاسمة لإنهاء الصراع الذي أصبح يهدد الشرق الأوسط بأكمله، من خلال تصديره للعنف إلى لبنان وسوريا والأردن.
الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي امتد لأكثر من سبعة عقود، أدى إلى تدمير اقتصادي وإنساني هائل، مع مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين. اليوم، مع الاعترافات المتتالية، أصبح المجتمع الدولي، خاصة الغرب دون الولايات المتحدة، مقتنعاً بأن إنشاء دولة فلسطينية يضمن عدم تكرار 7 أكتوبر، من خلال توفير أرض وأمن للفلسطينيين، مقابل ضمانات أمنية لإسرائيل.
هذا الحل يعني دولتين تعيشان إلى جانب بعضهما البعض، مع حدود آمنة وتبادل تجاري، كما يُصور في اتفاقيات أوسلو المعدلة.
في بريطانيا، أكدت وزارة الخارجية أن الاعتراف سيُتبع بمساعدات اقتصادية للسلطة الفلسطينية، لكن بشرط إقصاء حماس تماماً، هكذا، يصبح الإعتراف ليس مجرد إجراء رمزي، بل أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي في المنطقة، بعيداً عن الجماعات المتطرفة.
