لماذا يلحد العباقرة؟ الملحدون أكثر ذكاءً من المتدينين (دراسات)

في السنوات الأخيرة، أثارت العلاقة بين الذكاء والإلحاد اهتمامًا متزايدًا في الأوساط الأكاديمية، تشير العديد من الدراسات إلى وجود ارتباط سلبي بين مستوى الذكاء والتمسك بالمعتقدات الدينية، مما يطرح تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذا الارتباط.​

تُعدّ العلاقة بين الذكاء والإلحاد موضوعًا مثيرًا للجدل، حيث يتساءل الكثيرون: لماذا يلحد العباقرة؟ هل هناك صلة فعلية بين الذكاء العالي ونبذ الدين؟ أم أن هذه الفكرة مجرد انطباع سطحي؟

في هذه المقالة، نستعرض دراسات علمية تتناول هذا الموضوع، مع تحليل موضوعي للنتائج والعوامل المؤثرة.

هل الملحدون أذكى من المتدينين؟ نظرة على الدراسات

تشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين الذكاء العالي وميل الأفراد إلى الإلحاد، على سبيل المثال، دراسة أجراها زوكرمان وآخرون عام 2013، نُشرت في مجلة Personality and Social Psychology Review، حللت 63 دراسة سابقة ووجدت أن الأفراد ذوي معدلات الذكاء الأعلى يميلون إلى أن يكونوا أقل تدينًا أو ملحدين.

وفقًا لهذا التحليل، الأطفال الأكثر ذكاءً في سن مبكرة يكونون أكثر عرضة لرفض المعتقدات الدينية مع تقدمهم في العمر. كما أظهرت الدراسة أن البالغين ذوي الذكاء العالي أقل احتمالًا للاعتقاد بوجود إله.

نظرية أخرى تُعرف بـ”نموذج رابطة عدم تطابق الذكاء” (Intelligence-Mismatch Association Model)، التي اقترحها إدوارد داتون وديميتري فان دير ليندن، تفسر هذا الارتباط بأن الإيمان الديني قد يكون غريزة طبيعية، بينما الأفراد الأذكى يتمتعون بقدرة أكبر على تجاوز الغرائز من خلال التفكير التحليلي.

هذا يعني أن العباقرة قد يميلون إلى التشكيك في المعتقدات التقليدية مما يقودهم إلى الإلحاد، وهو ما يفسر إلحاد الكثير من العباقرة على مدار التاريخ بما فيهم العلماء الذين يفتخر بهم المسلمين والذي خرجوا عن الدين التقليدي.

لماذا يلحد العباقرة؟ العوامل المؤثرة

تشير الدراسات إلى أن الأشخاص ذوي الذكاء المرتفع غالبًا ما يتمتعون بقدرة أعلى على التحليل والتفكيك المنطقي، ما يجعلهم أقل تقبّلًا للمفاهيم الغيبية وغير القابلة للاختبار العلمي.

  1. التفكير التحليلي والتشكيك

العباقرة غالبًا ما يتميزون بالتفكير التحليلي والتشكيك في المسلمات على عكس المؤمنين والمتدينين الذين يرفضون استخدام العقلانية عادة ويفضلون الإيمان الأعمى.

دراسة أجرتها جامعة Rochester عام 2018، نُشرت في مجلة Social Psychological and Personality Science، وجدت أن الأفراد ذوي التفكير التحليلي العالي أقل ميلًا لقبول المعتقدات الدينية، لأنهم يعتمدون على المنطق والأدلة العلمية بدلاً من الإيمان، هذا التفكير قد يدفع العباقرة لرفض فكرة الإله أو الغيبيات إذا لم تجد دعمًا كافيًا من الأدلة.

  1. التعليم والتعرض للأفكار المتنوعة

الأفراد ذوو الذكاء العالي غالبًا ما يسعون إلى التعليم العالي، مما يعرضهم لفلسفات وأفكار متنوعة، بما في ذلك الإلحاد.

دراسة أجرتها جامعة Cambridge عام 2014 أشارت إلى أن الطلاب في التخصصات العلمية، مثل الفيزياء والرياضيات، أكثر عرضة لتبني وجهات نظر ملحدة مقارنة بأقرانهم في التخصصات الإنسانية.

هذا قد يفسر لماذا يبدو أن العديد من العلماء البارزين، مثل ريتشارد دوكينز أو ستيفن هوكينغ، يميلون إلى الإلحاد.

  1. العوامل الاجتماعية والثقافية

تلعب البيئة الاجتماعية دورًا كبيرًا. في الدول المتقدمة، حيث يتمتع الأفراد بمستويات تعليم عالية واستقرار اقتصادي، يزداد انتشار الإلحاد.

دراسة أجرتها مؤسسة Pew Research Center عام 2015 وجدت أن نسبة الملحدين أعلى في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية مقارنة بالدول ذات الدخل المنخفض، العباقرة الذين غالبًا ما يعيشون في بيئات متقدمة، قد يتأثرون بهذه الثقافة.

ما سبب انخفاض مستوى ذكاء المتدينين؟

ورغم ذلك ففي ورقة بحثية جديدة نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology، يقول الباحثون إن انخفاض مستوى الذكاء لدى المتدينين قد يكون بسبب اعتمادهم بشكل كبير على الحدس.

في استطلاع رأي أجري على أكثر من 63,000 مشارك عبر الإنترنت، ممن أشاروا إلى انتمائهم إلى الملحدين أو المتدينين أو اللاأدريين، كان على كل شخص إكمال مجموعة من 12 مهمة معرفية، مدة كل منها 30 دقيقة، لقياس مهارات التخطيط والاستدلال والانتباه والذاكرة.

بشكل عام، وجد البحث أن أداء الملحدين كان أفضل من أداء المشاركين المتدينين، حتى مع مراعاة العوامل الديموغرافية كالعمر والتعليم. أما اللاأدريون، فقد صنفوا أنفسهم في الغالب بين الملحدين والمؤمنين في جميع المهام.

في حين ارتبطت قوة القناعة الدينية بضعف الأداء الإدراكي، أظهرت البيانات وجود فروق طفيفة في الذاكرة العاملة مقارنةً بالمهام التي تتطلب الاستدلال.

وبناءً على ذلك، يرى الباحثون أن انخفاض نتائج اختبارات معدل الذكاء لدى المتدينين، وليس ضعف الذكاء العام، قد يكون نتيجةً لضعف الأداء في المهام التي يتعارض فيها الحدس والمنطق فقط.

في الواقع، صُممت إحدى مهام الاستدلال، وهي نسخة صعبة من مهمة ستروب تُعرف باسم “إعادة رسم خريطة الألوان والكلمات”، لخلق أقصى قدر من التعارض بين الاستجابة البديهية والاستجابة المنطقية.

وكما كان متوقعا، أظهرت هذه المهمة أكبر الاختلافات بين المجموعات بما يتوافق مع فكرة أن الأشخاص المتدينين يعتمدون أكثر على حدسهم.

لماذا يلحد العباقرة؟

أظهرت تحليلات متعددة وجود علاقة سلبية بين الذكاء والتدين. على سبيل المثال، وجدت دراسة (المصدر) شملت 137 دولة أن هناك ارتباطًا إيجابيًا (0.60) بين متوسط الذكاء القومي ونسبة الإلحاد.

كما أظهرت دراسة أخرى أن الأفراد الذين يتمتعون بقدرات تحليلية أعلى يميلون إلى التفكير النقدي والتشكيك في المعتقدات الدينية

لا يمكن إغفال تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية على العلاقة بين الذكاء والإلحاد، في الدول ذات النظم التعليمية المتقدمة ومستويات المعيشة المرتفعة، يميل الأفراد إلى التشكيك في المعتقدات الدينية التقليدية.

على سبيل المثال، تشير بيانات من المملكة المتحدة إلى أن نسبة غير المؤمنين تجاوزت المؤمنين لأول مرة في التاريخ الحديث، مما يعكس تحولًا ثقافيًا نحو العلمانية.

من جهة أخرى قارن الباحثان هيلموث نيبورغ وريتشارد لين الإيمان بالله ومعدلات الذكاء. باستخدام بيانات من دراسة أمريكية شملت 6825 مراهقًا، وجد المؤلفان أن متوسط ​​معدل ذكاء الملحدين كان أعلى بست نقاط من متوسط ​​معدل ذكاء غير الملحدين.