
تبدو صفقة الديزل التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع روسيا كبيرة عند قراءتها لأول مرة، فهي تتحدث عن مئات الآلاف ثم ملايين الأطنان من الوقود الروسي الذي سيعود إلى الأسواق الأمريكية والعالمية، لكن الأرقام الفعلية تكشف أن الصفقة أصغر بكثير من أن تحقق الهدف السياسي الذي تُسوّق من أجله، أي خفض الأسعار سريعًا قبل الانتخابات النصفية الأمريكية.
المشكلة الأساسية أن سوق الديزل العالمي يعاني عجزًا واسعًا، بينما الكميات التي وعدت موسكو بضخها لا تكفي سوى لتغطية جزء محدود من الطلب، كما أن قدرة روسيا نفسها على التكرير تراجعت بفعل الضربات الأوكرانية المتكررة على المصافي. لذلك قد تتحول الصفقة في النهاية إلى مكسب مالي وسياسي لموسكو أكثر منها أداة فعالة لخفض الأسعار بالنسبة للمستهلك الأمريكي.
الأرقام الكبيرة تخفي تأثيرًا محدودًا
أعلن ترامب أن روسيا ستضخ أكثر من 300 ألف طن من الديزل بصورة فورية، ثم 500 ألف طن في نوفمبر، ومليون طن بعدها مباشرة، مع احتمال الإفراج عن ثلاثة ملايين طن إضافية إذا سمحت حالة المصافي الروسية بذلك.
لكن هذه الأرقام تصبح أقل إثارة عندما تُقارن بحجم السوق العالمي. شركة Kpler تقدر العجز في إمدادات الديزل بنحو 130 ألف طن يوميًا، أي ما يقارب مليون برميل يوميًا، ما يعني أن الكمية الأولى التي أعلنتها روسيا لا تغطي سوى أيام قليلة من هذا العجز على المستوى العالمي.
أما في الولايات المتحدة نفسها، فإن 300 ألف طن تعادل تقريبًا ثلاثة أرباع يوم واحد من الاستهلاك، وهو ما يجعل من الصعب تصور أن هذه الكمية وحدها ستدفع الأسعار إلى الانخفاض بصورة كبيرة ومستدامة.
حتى كل الكميات الروسية لن تحل المشكلة
المشكلة لا تتعلق فقط بالدفعة الأولى، بل حتى إذا نجحت روسيا في ضخ جميع الكميات المعلنة في فترة قصيرة، فإن أثرها سيظل محدودًا مقارنة بحجم الطلب العالمي.
وتشير التقديرات إلى أن الكميات الإجمالية، إذا ضُخت دفعة واحدة، قد تكفي السوق العالمية لنحو ثلاثة أسابيع فقط، وهو زمن قصير جدًا في سوق تعاني أصلًا من نقص مستمر وطلب مرتفع.
وهذا يعني أن الصفقة قد تضغط على الأسعار لفترة قصيرة إذا نُفذت بكاملها، لكنها لن تعالج الأسباب البنيوية وراء ارتفاع الديزل، مثل نقص القدرة التكريرية، وارتفاع تكاليف الشحن، واضطراب الإمدادات بسبب الحرب، والطلب الصناعي والنقل الثقيل.
روسيا نفسها ليست في أفضل وضع للتصدير
هناك مشكلة أخرى قد تجعل الصفقة أضعف مما تبدو عليه: روسيا لا تملك اليوم القدرة نفسها التي كانت تمتلكها قبل تكثيف الهجمات الأوكرانية على مصافيها.
وقد استهدفت أوكرانيا منشآت تكرير مهمة وأجبرت موسكو على إعادة ترتيب جزء من إنتاجها، ما يجعل قدرتها على توفير كميات كبيرة من الديزل بسرعة أقل يقينًا مما توحي به التصريحات السياسية.
ولهذا ربطت موسكو أصلًا الإفراج عن الملايين الإضافية من الأطنان بحالة مصافيها، وهو اعتراف ضمني بأن التنفيذ الكامل للاتفاق ليس مضمونًا تلقائيًا.
التوقيت لا يخدم ترامب
حتى لو نجحت روسيا في توفير الكميات الموعودة، فإن عامل الوقت يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لترامب. فالانتخابات النصفية مقررة في 3 نوفمبر، بينما يحتاج السوق إلى وقت حتى تصل الشحنات وتُفرغ وتدخل منظومة التوزيع ثم تنعكس على الأسعار النهائية عند محطات الوقود.
وهذا يجعل من غير المرجح أن يشعر الناخب الأمريكي بانخفاض كبير في أسعار الديزل قبل التصويت، خصوصًا أن السوق العالمية تتحرك وفق عوامل كثيرة لا تستطيع صفقة واحدة السيطرة عليها.
ولهذا يرى بعض خبراء الطاقة أن إعلان الصفقة يحمل قيمة سياسية داخلية أكبر من قيمته الاقتصادية المباشرة، لأنه يسمح لترامب بالقول إنه تحرك لتخفيف الأسعار حتى لو لم يظهر الأثر فعليًا بسرعة.
المشكلة أعمق من نقص بضعة ملايين طن
ارتفاع أسعار الديزل في 2026 لا يعود إلى عامل واحد يمكن لترامب معالجته باتفاق مباشر مع بوتين.
الحرب مع إيران رفعت أسعار الطاقة، والهجمات على المصافي الروسية قلصت الإمدادات، كما أن الطلب العالمي على الديزل بقي مرتفعًا في قطاعات النقل والزراعة والصناعة، بينما لم تتوسع القدرة التكريرية بالسرعة الكافية لتعويض النقص.
ولهذا فإن بضعة ملايين من الأطنان الروسية قد تمنح السوق متنفسًا قصيرًا، لكنها لن تغير الاتجاه الأساسي ما لم تتراجع الضغوط الأوسع على العرض.
صفقة سياسية أكثر منها حلًا اقتصاديًا
في النهاية، تبدو صفقة الديزل الروسي أقرب إلى خطوة سياسية محسوبة من كونها حلًا حقيقيًا لأزمة الأسعار.
ترامب يستطيع استخدامها لإظهار أنه يتحرك أمام الناخبين وأن علاقته المباشرة ببوتين يمكن أن توفر إمدادات إضافية، بينما تحصل روسيا في المقابل على فرصة لاستعادة جزء من تدفقاتها التجارية وتخفيف الضغط الذي فرضته العقوبات.
وعند العودة إلى الأرقام، يبقى الواقع أقل إثارة: الكميات محدودة، السوق تعاني عجزًا كبيرًا، المصافي الروسية نفسها متضررة، والوقت المتبقي قبل الانتخابات قصير.
ولهذا فإن الاحتمال الأكبر هو أن تنجح الصفقة في صناعة عنوان سياسي كبير، لكنها تفشل في تحقيق الوعد الذي تقوم عليه: خفض أسعار الديزل بصورة واضحة ومستدامة.
