
منذ مطلع عام 2014 تحوّل الخلاف بين تنظيمين سلفيين جهاديين ونتحدث عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة إلى حرب مفتوحة خلّفت آلاف القتلى، وغيّرت خريطة التنظيمات المسلحة، وكشفت التناقضات العميقة داخل التيار الجهادي العالمي.
الساحة هي سوريا التي توافد إليها عشرات الآلاف من المقاتلين بعد خطاب التجييش والنفير العام في المساجد ووسائل الإعلام العربية والإسلامية حينها والمنابر الإسلامية في الغرب، حيث كان الأمر شبيها بما حدث في القرن الماضي حينما حرضت السعودية السلفيين للقتال في أفغانستان.
لم تكن تلك الحرب صراعًا عقائديًا خالصًا، بل نزاعًا على القيادة والبيعة والموارد والأرض، وعلى من يملك حق تمثيل “الجهاد” في سوريا.
الجذور الأولى: من العراق إلى الشام (2003–2013)
تعود جذور الصراع إلى تنظيم القاعدة في العراق الذي أسسه أبو مصعب الزرقاوي عام 2004، وبعد مقتله عام 2006، تطور التنظيم إلى الدولة الإسلامية في العراق.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، أرسل أبو بكر البغدادي عناصر إلى سوريا لتأسيس فرع تابع له، كان أبرزهم أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع حاليا) الذي أعلن في يناير 2012 تأسيس جبهة النصرة لأهل الشام.
وفي شهر أبريل 2013 أعلن البغدادي عن دمج “الدولة الإسلامية في العراق” مع “جبهة النصرة” تحت اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وحينها أصبح هذا التنظيم خطيرا للغاية واستقطب المقاتلين العرب وحتى الأجانب الذين دخلوا إلى الإسلام حديثا.
كما تدفقت الأموال القطرية والخليجية (العائلات المحافظة والسلفية وحتى بعض الحكومات) وكان ذلك في عهد الملك عبد الله الذي يعد آخر ملك سعودي راهن على الجماعات الإسلامية قبل أن يأتي آل سلمان ويحاربوا تمويل الجماعات السلفية والدعوية لأنها ذات ميول إرهابية كما أنها تكفر الحكام العرب.
لكن سريعا ما انقلب الجولاني على داعش وأعلن بيعته المباشرة لـ أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة، لهذا تجد علم النصرة مثل علم القاعدة أبيض ومكتوب عليه الشهادتين على عكس علم داعش الأسود.
وافق الظواهري على فصل التنظيمين رسميًا، وأقرّ بأن داعش ستبقى في العراق والنصرة في سوريا، لكن هذا لم يعجب داعش التي عملت على التوسع غربا إلى سوريا لتهجم على الأكراد وترتكب الفظائع ضد المدنيين.
الحرب الأهلية بين داعش والنصرة
مع مطلع عام 2014 تحوّل الخلاف إلى حرب شاملة. في يناير من ذلك العام اندلعت مواجهات عنيفة في ريف حلب والرقة ودير الزور، وسرعان ما اتخذ الصراع طابع الإبادة المتبادلة.
وفق تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل خلال الأشهر الأولى أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل من الطرفين، في اقتتال لم يشهد له المشهد الجهادي مثيلًا منذ نشأة تنظيم القاعدة.
لم يكن القتال عسكريًا فحسب، بل رافقته حملات تكفير، وعمليات إعدام ميدانية، واغتيالات داخلية، استهدفت كل من يُشتبه في ولائه للطرف الآخر.
وكانت هجمات داعش عنيفة للغاية حيث نشرت مقاطع فيديو لذبح السلفيين التابعين لجبهة النصرة، وحينها تخفى الجولاني عن الأنظار مع تقدم داعش في سوريا.
كانت مدينة الرقة أولى المحطات الحاسمة في هذا الصراع، ففي يناير 2014 نجح تنظيم داعش في طرد جبهة النصرة وجميع الفصائل الأخرى من المدينة، لتصبح الرقة أول مدينة سورية تقع بالكامل تحت سيطرة التنظيم.
هناك، دشّن داعش نموذج حكمه القائم على العنف الاستعراضي، فنُفذت الإعدامات العلنية في الساحات، وكان من بين الضحايا مقاتلون سابقون في النصرة وفصائل إسلامية أخرى، إضافة إلى مدنيين وناشطين.
أما محافظة دير الزور، فقد شكّلت قلب الصراع الحقيقي، نظرًا لما تحتويه من آبار نفط ومعابر حدودية وعشائر مسلحة.
خلال عامي 2014 و2015 خاض داعش والنصرة معارك شرسة للسيطرة على الميادين والبوكمال، وانتهى الأمر بتفوق داعش العسكري.
في أغسطس 2014 ارتكب التنظيم واحدة من أبشع جرائمه عندما نفّذ مجزرة واسعة بحق عشيرة الشعيطات، التي اتهمها بالتحالف مع خصومه، حيث قُتل أكثر من سبعمئة شخص خلال أيام قليلة، في رسالة دموية لكل من يفكر في تحدي سلطته.
في المقابل، شهدت مناطق إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي مسارًا مختلفًا، حيث هناك، استطاعت جبهة النصرة أن تحافظ على وجودها، بل وأن تطرد داعش من معظم تلك المناطق، مستفيدة من تحالفات واسعة مع فصائل إسلامية أخرى ضمن تشكيلات مثل “جيش الفتح” عام 2015.
اعتمدت النصرة في هذه المناطق خطابًا أقل صدامية مع السكان المحليين، وحرصت على تقديم نفسها كقوة “أقل توحشًا”، دون أن يعني ذلك تخليها عن جوهرها العقائدي.
حرب عالمية على داعش الأكثر دموية
بلغ الصراع ذروته في يونيو 2014، عندما أعلن أبو بكر البغدادي قيام “الخلافة الإسلامية” ونصّب نفسه “خليفة للمسلمين”.
شكّل هذا الإعلان نقطة اللاعودة، إذ رفضته جبهة النصرة وتنظيم القاعدة بشكل قاطع، واعتُبر انحرافًا خطيرًا حتى داخل الأوساط الجهادية.
منذ تلك اللحظة، لم يعد داعش خصمًا للنصرة فقط، بل تحول إلى عدو لجميع الفصائل المسلحة، وللمجتمع الدولي بأسره.
وجد داعش نفسه في صراع مع الجميع على الأراضي السورية وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية التي استهدفته بشكل خاص وأكثر من النصرة كما تدخلت روسيا التي استهدفته لإيقاف وصوله إلى دمشق.
كما شن داعش هجمات في سيناء وليبيا وتوسع وجوده بشكل سريع للغاية واتبع أسلوبا قاسيا ضد خصومه ما استدعى من الجميع محاربته.
في هذه الفترة بدأت بقية الجماعات الإسلامية السلفية الجهادية تبتعد عنه لأن الكل يحاربه وخسر علاقاته مع الجميع ولم يكن هذا التنظيم براغماتيا أو دبلوماسيا كما هو حال النصرة التي تتعامل مع تركيا وقطر وتعقد صفقات تبادل المقاتلين والإنسحاب من مناطق انتصر فيها الجيش السوري.
جبهة النصرة تبتعد عن داعش
مع تراجع داعش لاحقًا تحت ضربات التحالف الدولي، سعت جبهة النصرة إلى إعادة تموضعها سياسيًا وتنظيميًا.
ففي يوليو 2016 أعلنت فك ارتباطها بتنظيم القاعدة وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، ثم شاركت في يناير 2017 بتأسيس “هيئة تحرير الشام”، في محاولة لتقديم نفسها كقوة محلية سورية، رغم استمرار جوهرها السلفي الجهادي.
انتهت الحرب بين داعش والنصرة فعليًا بتفكك مشروع داعش في سوريا والعراق بحلول 2019، لكن آثار ذلك الصراع بقيت عميقة.
لقد كشفت تلك الحرب أن التيار السلفي الجهادي ليس وحدة متماسكة، بل ساحة صراعات دموية على السلطة والشرعية، وأن الخطاب الديني لم يكن سوى غطاء لتنافس سياسي وعسكري لا يختلف في جوهره عن صراعات الميليشيات الأخرى.
ومع تزايد نشاط داعش مرة أخرى في سوريا بعد سقوط الأسد ليس غريبا أن نرى بيانات من داعش تكفر أحمد الشرع وتكفره فهو يتعامل مع الطاغوت (الحكومات العربية والولايات المتحدة واسرائيل).
وتشكل اليوم داعش تهديدا على النظام السوري الجديد الذي يعد إسلاميا ويقدم نفسه وسطيا لكن ممارسات أتباعه على الأرض تثبت بأنه يحاول بناء خلافة إسلامية لا تختلف كثيرا عن داعش.
بالنسبة للمسلمين خارج سوريا فقد شنوا هجوما على داعش واتهموا الولايات المتحدة بصناعتها، غير أن الواقع يقول ان داعش صناعة سلفية مثل النصرة، وبينما الأولى معادية للجميع إلا أن الثانية أقل تشددا ويمكن أن تكون مخترقة بسبب علاقاتها مع تركيا وقطر ما مهد لأحمد الشرع بالوصول إلى السلطة لأنه يبقى أفضل بديل متاح حاليا في سوريا الغارقة في التطرف الديني.
