مصر أمريكا الولايات المتحدة

ليس هناك عيب في أن تطلب مصر المساعدة من الولايات المتحدة، فالدول العظمى والصغرى على حد سواء تطلب المساعدة من حلفائها في أوقات الأزمات، بل العيب في ازدواجية الخطاب الرسمي والشعبي الذي يتبنى شيطنة الولايات المتحدة الأمريكية.

هل تعترف الحكومة المصرية والنخبة والرأي العام أن الولايات المتحدة هي أهم حليف استراتيجي واقتصادي لمصر منذ عقود، أم سنظل نردد مقولة «المتغطّي بالأمريكان عريان» ونصوّر أمريكا كعدو لدود يتآمر مع إسرائيل لتدمير مصر؟

وبينما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يناشد دونالد ترامب علنًا وقف الحرب، قائلًا له إن أحدًا غيره لا يستطيع إيقافها، كان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يؤكد رسميًا، في اتصالاته مع واشنطن، الحاجة إلى “دعم اقتصادي وسيولة” لتخفيف التداعيات السلبية للأزمة، وخصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.

لا نتحدث إذن عن تسريبات أو تحليلات معارضة أو خصومات سياسية، بل عن خطاب رسمي مصري يعترف، عمليًا، بأن القاهرة تحتاج إلى الحليف الأمريكي عندما تدخل المنطقة طور الصدمات الكبرى.

هنا يجب طرح السؤال الذي يهرب منه الخطاب الشعبوي المصري منذ سنوات: إذا كانت أمريكا، كما يُقال ليل نهار، هي “العدو اللدود” الذي يتآمر مع إسرائيل على تدمير مصر، فلماذا تطلب منها النجدة كلما اشتدت العاصفة؟

وإذا كانت واشنطن مجرد قوة شريرة لا تريد لمصر سوى الخراب، فلماذا بقيت مصر، بحسب توصيف رويترز نفسه، بلدًا “طال أمد تلقيه للمساعدات العسكرية الأمريكية” والدعم السياسي والاقتصادي من شركاء إقليميين مرتبطين بالولايات المتحدة؟

منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، خرجت من السوق المصرية تدفقات أجنبية من أدوات الدين تُقدَّر بين 5 و8 مليارات دولار، وتراجع الجنيه من نحو 47 جنيهًا للدولار إلى أكثر من 54، فيما تضررت الصادرات إلى السعودية والإمارات بشدة، مع تقديرات بانخفاض إقرارات التصدير بما يصل إلى 90% في بعض الفترات.

في مثل هذه الظروف، يصبح الطلب الأمريكي ليس خياراً، بل ضرورة وهذا الطلب ليس جديداً، إنه يعكس استمرارية تاريخية. منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد 1979، قدمت الولايات المتحدة لمصر أكثر من 90 مليار دولار مساعدات ثنائية (حسب تقرير الكونغرس الأمريكي في فبراير 2026).

في السنة المالية 2026، بلغ إجمالي المساعدات 1.5 مليار دولار، منها 1.375 مليار دولار تمويل عسكري أجنبي (FMF)، بزيادة 75 مليون دولار عن الخط الأساسي الذي استمر لعقود.

حتى في يناير 2025، عندما أوقفت إدارة ترامب معظم المساعدات الخارجية، استثنيت مصر (مع إسرائيل) صراحة لأسباب أمنية واستراتيجية.

مصر تعتمد على استيراد جزء مهم من احتياجاتها من الوقود، فيما قفزت تكلفة الطاقة عليها إلى أكثر من الضعف منذ بداية الحرب، وفق تقديرات نقلتها رويترز، وعادت المخاوف التضخمية بقوة، مع ارتفاع التضخم الحضري السنوي إلى 13.4% في فبراير بعد أن كان 11.9% في يناير، في وقت رجح فيه اقتصاديون أن يُجمّد البنك المركزي أي مسار جديد لخفض الفائدة بسبب أثر الحرب على الأسعار وسعر الصرف.

من حق دافع الضرائب الأمريكي أن يسأل: لماذا يُفترض بي أن أمول استقرار دولة يُربّى جزء من رأيها العام يوميًا على كراهيتي واتهامي بتخريبها؟ هذا سؤال مشروع سياسيًا وأخلاقيًا، حتى لو اختلفنا مع كثير من سياسات واشنطن نفسها.

العلاقات الدولية ليست دروسًا في الحب، لكنها أيضًا ليست مسرحًا للوقاحة المجانية، لا يمكنك أن تبني سردية شعبية كاملة على أن أمريكا عدو وجودي، ثم تتعامل مع خزائنها ونفوذها ومؤسساتها باعتبارها صمام الأمان الأخير كلما اختنق اقتصادك.

هذه ليست “لعبة توازن”، بل استهلاك رخيص لخطابين متناقضين: خطاب تعبئة داخلي ضد الغرب، وخطاب استنجاد خارجي بالغرب نفسه.

الأخطر من ذلك أن هذا التناقض لا يسيء فقط إلى صورة مصر لدى الحليف الأمريكي، بل يضعف كذلك صدقيتها أمام دول الخليج وبقية الدول العربية مثل الأردن والمغرب، كما أنها تصبح دولة عدوانية غير جديرة بالثقة لدى أقرب جيرانها وعلى رأسهم إسرائيل.

لقد لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا أساسيا في فرض سلام حقيقي مع الدولة العبرية التي لا تزال تحترم اتفاقية كامب ديفيد والتي بفضلها استعادت مصر السيطرة على سيناء، بل إن تل أبيب ساعدت مصر في القضاء على داعش والحركات الجهادية الإرهابية في سيناء، وهي بذلك تتصرف كجارة قوية ومفيدة، فيما لا يزال الشعب المصري يكن الكراهية للإسرائيليين رغم أجواء السلام.