حقيقة محمد طلال لحلو: أكاذيب السيرة الذاتية وأطروحة L'économiste المزعومة

منذ سنوات، تحاول الدولة المغربية، ومعها الفاعلون الاقتصاديون، إقناع المواطنين بأهمية الإدخار والإستثمار المنظم عبر القنوات الرسمية، وعلى رأسها بورصة الدار البيضاء، ثم يأتي المدعو محمد طلال لحلو ليحرض على تجنب الإستثمار في الشركات الوطنية المدرجة في البورصة.

الرجل الذي يتفاخر به التيار الإسلامي في المغرب أصدر فتوى مؤخراً يقول فيها بوضوح إنه لا يعلم شركة مدرجة في البورصة لا تتعامل بالربا، ويدعو عملياً إلى هجرها بالكامل لصالح “الاستثمارات الخاصة وغير المدرجة”.

هذا ليس مجرد رأي شخصي عابر، إنه خطاب يحمل في طياته تحريضاً مباشراً ضد مؤسسة مالية وطنية، وله تأثير حقيقي على الاقتصاد المغربي ككل.

فتوى تحريم الإستثمار في بورصة الدار البيضاء

دعنا نعود إلى نص الفتوى التي نشرها لحلو على صفحته، والتي جاءت كرد على سؤال متكرر عن البورصة والمناسبة الشرطية:

“كما هي عادتي لا أحب الخوض في الأمور الفرعية المتنوعة والمختلفة، وأحب تزويد المسلمين بقواعد وأصول تنفعم في التعامل مع المتغيرات. لكن بعض الإخوة، عوض الاعتناء بالقواعد والأصول، التي أبسطها في سلسلتي باليوتيوب المسماة ‘التداول والبورصة والشفريات’، يحبون الجواب السريع الجاهز. اعلم حفظك الله أنك تضيع وقتك بشكل مضاعف لما تبحث في كل مرة عن جواب سؤال يتكرر مضمونه وتختلف صورته. فلو تريثت وبحثت في المسألة مرة واحدة وفهمت القاعدة الحاكمة لها لما احتجت إلى أن تسأل في كل مرة إذا طابقت الصورة الجديدة القاعدة. وفي مسألتنا، القاعدة الصادرة عن القرار الأول لمجمع الفقه الإسلامي الدولي في قضية الأسهم، والتي أتبعها، هي أن المسلم لا يدخل كشريك (وهنا الكلام عن الشريك لا الأجير الذي يعمل بعيدا عن الربا والحرام أو الزبون) في شركة تتلقى أو تدفع الفوائد الربوية، وإن كانت قليلة وكان أصل نشاطها حلال. فما بالك بشركة تسهل دفع غرامات التأخير الربوية وتتقاضى عمولة على ذلك وهو تعاون اختياري على الإثم والعدوان… وما بالك بشركة تنهج من الاقتراض الربوي المتكرر منهجا تمويليا (وإن كان قليلا بالمقارنة مع الشائع في البورصة). فالمسلم الفطن لا يكتفي باجتناب الربا، بل يحاربه. وبالمناسبة، لا أعلم شركة مدرجة عندنا لا تتعامل بالربا، ولذلك فسبل الاستثمار البعيد عن الربا ليست في بورصة الدار البيضاء، بل في الاستثمارات الخاصة وغير المدرجة. ومن أراد تفاصيل المعايير الشرعية فهي كذلك في السلسلة. والله ولي التوفيق”

هذه الكلمات ليست مجرد تفسير فقهي؛ إنها حكم عام يشمل كل الشركات المدرجة في بورصة الدار البيضاء، ويصنفها كمتورطة في الربا بشكل أو آخر.

لحلو يستند إلى قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي، لكنه يوسعه ليصبح إدانة شاملة، ويختم بدعوة صريحة للهجرة نحو “الاستثمارات الخاصة”.

هذا النهج ليس جديداً؛ إنه يذكر بحملات سابقة ضد البنوك، حيث اعتبر بعض المؤثرين الدينيين أن كل النظام البنكي “ربوي”، مما دفع الكثيرين إلى تجنب الودائع والقروض الرسمية، والبحث عن بدائل غير منظمة مما تسبب في مشاكل بنيوية بالنظام المصرفي ومنها ارتفاع استخدام الكاش وتخزين الأموال في البيوت.

كيف يهدد هذا الخطاب الاقتصاد المغربي؟

الاقتصاد يقوم على الثقة، خاصة في أسواق مثل البورصة حيث يعتمد التداول على التوقعات والإيمان بالشفافية.

عندما يقول مؤثر مثل لحلو، الذي يتابعه عشرات الآلاف على يوتيوب وفيسبوك، إن “كل الشركات المدرجة تتعامل بالربا”، فهو يزرع الشك في أذهان الشباب الذين يبحثون عن فرص استثمارية. هذا يؤدي إلى:

انخفاض مشاركة المدخرين المغاربة في السوق الرسمية، مما يقلل من السيولة ويضعف أداء البورصة.

تشويه صورة البورصة كـ”مستنقع ربوي”، خاصة بين الفئات المتدينة التي قد تفضل الانسحاب بدلاً من المشاركة.

تأثير سلبي على جذب الاستثمارات الأجنبية، إذا انتشر هذا الخطاب كـ”رأي فقهي مغربي عام”.

في الواقع، بورصة الدار البيضاء، التي تضم أكثر من 75 شركة مدرجة بقيمة سوقية تزيد عن 600 مليار درهم في نوفمبر 2025، ليست خالية من المشاكل، لكنها تخضع لمراقبة هيئة السوق المالية (AMMC) وتقدم خيارات استثمارية متنوعة، بما في ذلك بعض المنتجات المتوافقة مع الشريعة.

مخاطر الإستثمار خارج البورصة المغربية

عندما يقول لحلو إن “سبل الاستثمار البعيد عن الربا ليست في بورصة الدار البيضاء، بل في الاستثمارات الخاصة وغير المدرجة”، فهو يفتح الباب أمام مخاطر حقيقية.

هذه “الاستثمارات الخاصة” غالباً ما تكون غير منظمة، بدون تقارير مالية شفافة أو ضمانات قانونية.

في المغرب، شهدنا عشرات الحالات من النصب تحت غطاء “مشاريع حلال”: شركات وهمية تعد بعوائد خيالية في العقارات أو التجارة، مستغلة الثقة الدينية لجذب الضحايا.

وإلى يومنا تنتشر شبكات النصب التي تستخدم الدين غطاء لها ومنها تلك المشاريع التي تقول أن العائد من الإستثمار هو تجاري ومن الأرباح والفوائد وفي النهاية يتضح أنه مخطط هرمي.

هذا الخطاب يعزز من “اقتصاد الظل”، حيث ينتشر التمويل غير الرسمي، مما يعيق جهود الدولة في مكافحة غسل الأموال ويحرم الشباب من فرص الاستثمار الآمنة في بورصة منظمة.

آفة الخطاب الإسلامي الذي يهدد الإقتصاد

في الفتوى، يقول لحلو: “فالمسلم الفطن لا يكتفي باجتناب الربا، بل يحاربه”. هذا يبدو نبيلاً، لكنه يتحول إلى سياسة اقتصادية متشددة عندما يُطبق على بورصة كاملة.

هذا الخلط يذكر بخطاب “السلفية المالية” الذي انتشر في المغرب خلال العقد الماضي، حيث هاجم بعض الدعاة البنوك والمؤسسات المالية كـ”أدوات ربوية”، مما دفع الكثيرين إلى الانسحاب من النظام الرسمي.

والنتيجة؟ زيادة في الاقتصاد غير الرسمي، الذي يمثل اليوم حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتقارير البنك الدولي.

الفقهاء الحقيقيون، مثل أعضاء مجمع الفقه الإسلامي، يفرقون بين المسائل النظرية والواقع الاقتصادي، ويسعون إلى تطوير حلول مثل “الصناديق الإسلامية” داخل البورصات نفسها.

أما هذا النهج المتشدد، فهو يحارب النظام بدلاً من إصلاحه، ويترك الشباب في حيرة بين الدين والحياة اليومية.

محمد لحلو ضد العصرنة والإقتصاد الحديث

في عمق الفتوى، يطرح لحلو سؤالاً مشروعاً: هل يجب على المسلم محاربة الربا؟ بالتأكيد، لكن السؤال الأكبر: من يحاربه هنا الربا أم النظام المالي المغربي ككل؟

عندما تهاجم كل الشركات المدرجة دون تمييز، وتصف البورصة بأنها “مستنقع ربوي”، أنت لا تحارب معاملة معينة، بل تضرب في جذور التحديث الاقتصادي.

هذا الخطاب يذكر بحملات سابقة ضد البنوك في 2010-2015، حيث أدى إلى انسحاب فئات واسعة من التعامل البنكي، مما زاد من انتشار الإقتصاد غير الرسمي وقلل من الادخار المنظم.

في الواقع، بورصة الدار البيضاء ليست “كازينو ربوياً” كما يصورها البعض؛ إنها آلية لتجميع الادخار، تمويل الشركات، وتوفير فرص شغل.

إنها تحتاج إلى إصلاح بالطبع كي تكون أكثر ليبرالية، لكن الهجرة الكاملة تتركها للنخب الكبرى، وتحرم الطبقات الوسطى من مشاركتها في نمو البلد.

تداعيات فتوى محمد طلال لحلو

السؤال اليوم ليس عن اجتهاد لحلو الفقهي، بل عن مسؤولية المؤثرين الدينيين الذين يقدمون أنفسهم كخبراء اقتصاد، عندما يبني لحلو جمهوراً عبر سلسلة “التداول والبورصة والشفريات”، ثم يخرج بحكم شامل على البورصة، فهو يؤثر مباشرة على قرارات المدخرين دون أي مسؤولية مهنية.

إذا تبنى المغاربة فتوى محمد طلال لحلو ستعاني الشركات المغربية المدرجة في البورصة من قلة السيولة وغياب النمو وبالتالي ستضطر إلى تسريح العمال والموظفين.

ومن جهة أخرى سيسمح ذلك للأجانب بامتلاك الأسهم المغربية أكثر من المغاربة بأنفسهم ما سيكون نقطة ضعف بالنسبة للسوق المغربية التي ستكون قائمة بشكل أساسي على الأموال الساخنة وما أن ينسحب المستثمرين تنهار البورصة وتنتظر السيولة من الخارج.

والمصيبة الأكبر أنه لا يقدم بديلا أفضل بل نموذج اقتصادي اقطاعي عفا عنه الزمن متصالح مع تجارة العبيد والسبايا والعودة إلى ما قبل ميثاق حقوق الإنسان.