طائرات إف-35

تمحورت زيارة محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2025 حول صفقة أسلحة ضخمة، بما فيها إلتزام أمريكي ببيع ما يصل إلى 48 طائرة إف-35 الشبحية، ونحو 300 دبابة، بالإضافة إلى طائرات مسيّرة متطورة وأنظمة أخرى.

إن طائرة إف-35 ليست مجرد طائرة عادية، بل هي منصة الأسلحة الأكثر تطورًا وحساسية وتكلفة في ترسانة الولايات المتحدة، وهي مقاتلة من الجيل الخامس تتميز بقدرتها على التخفي ودمج البيانات من أجهزة استشعار متعددة لتكوين صورة شاملة لساحة المعركة.

أثار بيع هذه الطائرة للسعودية مخاوف فورية في اتجاهين: كيفية الحفاظ على التفويض القانوني لإسرائيل في تحقيق “تفوق عسكري نوعي” على جيرانها، وكيفية منع تسريب أسرار الطائرة إلى الصين.

إسرائيل هي حاليًا الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تشغل طائرات إف-35، وتُشغّل نسخة معدلة منها تُعرف باسم إف-35 آي أدير.

يشترط القانون الأمريكي على واشنطن ضمان ألا تؤدي أي صفقة أسلحة في المنطقة إلى تقويض التفوق التكنولوجي الحاسم لإسرائيل. في الماضي، كان يتم التعامل مع هذا التوتر من خلال تخفيض مستوى الأنظمة المباعة للشركاء العرب بشكل غير مباشر، كما حدث عندما زُوّدت طائرات إف-15 السعودية في التسعينيات برادارات وأنظمة حرب إلكترونية أقل تطوراً مقارنةً بالطائرات الإسرائيلية.

لكن طائرة إف-35 تجعل هذا النوع من التخفيض التدريجي للمستوى أكثر صعوبة، فهيكل الطائرة بالكامل، وبرمجياتها، وروابط بياناتها، ودمج بياناتها الحسية، كلها عناصر حساسة.

وللمضي قدماً، اعتمد المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون على مجموعة مختلفة من الأدوات، إحداها هي “ميزة القدرات” المدمجة، إذ تأتي النسخة الإسرائيلية من الطائرة بتعديلات فريدة وحقوق دمج أنظمة محلية الصنع لا يحصل عليها عملاء آخرون.

وتتيح خيارات الوقود ذات المدى الممتد، والبرمجيات المخصصة، ومجموعات المهام المتخصصة لإسرائيل الوصول إلى أهداف بعيدة، بما في ذلك في عمق إيران، والحفاظ على تفوق عملياتي مميز حتى لو كانت دول أخرى تستخدم طائرات إف-35 أيضاً.

الأداة الثانية أكثر إثارة للجدل هي اعتماد الطائرة على برمجيات وبنية بيانات تحت سيطرة الولايات المتحدة.

تعمل طائرة إف-35 بنظام المعلومات اللوجستية الآلي، وهو بنية رقمية ضخمة تُدير تخطيط المهام والتشخيص والتحديثات.

ولأن الولايات المتحدة تُسيطر على الشفرة الأساسية ومسار التحديث، فإنها تحتفظ بخيار إيقاف تشغيل ضمني.

في سيناريو متطرف كوقوع توتر جيوسياسي في الرياض أو سرقة طائرة إذ يُمكن لواشنطن نظريًا فرض تغييرات برمجية تُعطّل أو تُضعف طائرة إف-35 تُشغّلها جهة أجنبية.

بالنسبة للسعودية، يُمثل هذا واقعًا غير مريح سياسيًا، فهي تُنفق مليارات الدولارات على طائرات يُمكن للمُورّد، من حيث المبدأ على الأقل، إيقاف تشغيلها.

أما بالنسبة لواشنطن، فهذه هي الطريقة الوحيدة لتبرير تصدير نظام بالغ الأهمية كهذا إلى منطقة مضطربة حيث تُبدي المخابرات الصينية اهتمامًا بالغًا بأي معلومات حول تكنولوجيا التخفي الأمريكية.

ومن المعلوم أن الصين تسرق عادة الأسرار العسكرية والتكنولوجية وتبني منتجاتها على ذلك وهي متأخرة عن الأمريكيين والروس والأوروبيين في الإبتكار.

وبالنسبة للقيادة السعودية فهي تتفهم مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية واختارتها كشريك استراتيجي عسكريا، والسعودية مثل بقية الدول العربية المعتدلة ليس لديها أطماع في جيرانها وهي لا تشكل خطرا على إسرائيل ولا على جيرانها العرب ولا حتى على إيران.

في المقابل لا تثق إسرائيل كثيرا بالدول العربية المجاورة لأنها دولة مستبدة ويمكن أن تنهار الأنظمة الحاكمة فيها ويصل إلى الحكم الإسلاميين المتشددين الذين سيستخدمون حينها الأسلحة لضرب الدولة العبرية.

وعلى الرغم من أن الملكيات العربية مستقرة وتحظى بدعم شعبي وشرعية قوية إلا أنه من الممكن أن تشهد انقلابات عسكرية كما حصل من قبل في مصر وليبيا والعراق وسوريا.

هذا يعني أن السعودية لن تكون قادرة على استخدام طائرات إف-35 إلا للدفاع عن أراضيها وسيادتها وفي أقصى الأحوال لتوجيه ضربات في اليمن أو حتى ضرب ايران أو الدفاع عن دولة من دول مجلس التعاون الخليجي وليس بكل تأكيد لضرب إسرائيل.