في قلب أفغانستان، حيث تتداخل الأزمات الإنسانية مع تقاليد بالية وفقر مدقع، ظهرت قصة مروعة هزت الضمير العالمي: رجل يبلغ من العمر 45 عامًا يتزوج من طفلة في السادسة من عمرها.
هذه ليست مجرد قصة زواج قسري، بل فضيحة كشفت عن أعماق اليأس وانهيار القيم الإنسانية في بلد سيطر عليه الإسلاميين الذين يطبقون الشريعة الإسلامية كما كانت بالفعل في الأصل قبل أن تتأثر الكثير من تعالميها بالمدنية والحضارة الغربية في الدول العربية.
زواج مريض بثمن بخس
القصة بدأت عندما زُعم أن رجلاً متزوجًا بالفعل، يبلغ من العمر 45 عامًا، دفع مبلغًا من المال لأسرة طفلة تبلغ ست سنوات ليتزوجها في حفل زفاف أثار صدمة واسعة النطاق.
الحادثة، التي وقعت في قرية نائية، لم تكن مجرد صفقة مالية، بل انعكاس مروع للواقع القاتم الذي تعيشه العديد من الأسر الأفغانية.
وفقًا لتقارير محلية، دفع العريس مبلغًا ماليًا لوالد الطفلة، في صفقة تشبه بيع الأطفال، وهي ممارسة أصبحت شائعة بشكل متزايد في ظل الانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد بعد عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021.
ما يزيد الطين بلة هو أن الزواج، على الرغم من الغضب العام الذي أثاره، يُعتقد أنه لا يزال قائمًا.
السلطات المحلية، التي تسيطر عليها طالبان، ألقت القبض على العريس ووالد الطفلة، لكن في تطور صادم، لم تُوجه أي تهم رسمية إليهما.
هذا التقاعس القانوني يعكس غياب إطار قانوني واضح في أفغانستان لحماية الأطفال من هذه الانتهاكات، حيث ألغت طالبان الحد الأدنى لسن الزواج (16 عامًا) الذي كان ساريًا في ظل الحكومة المدعومة من الغرب بعد غزو 2001.
الحد الأدنى لسن زواج الإناث عند طالبان
في خطوة مفاجئة، عارضت طالبان هذا الزواج، لكن موقفها جاء مشوبًا بالتناقض، بدلاً من إلغاء الزواج نهائيًا، طلبت الحركة من العريس الانتظار حتى تبلغ الطفلة التاسعة،
وهو قرار يثير الدهشة والاشمئزاز في آن واحد، لكنه يذكرنا بزواج النبي محمد من عائشة الطفل ذات التسع سنوات كما جاء في السنة النبوية.
وهناك اجماع فقهي وديني في الإسلام على أنه مسموح بزواج الرجل من طفلة التسع سنوات، شرط أن تكون قادرة على الجماع.
وقد فرضت حركة طالبان قيودًا صارمة على حرية النساء والفتيات، بما في ذلك حظر تعليم الإناث بعد الصف السادس، وألغت برامج تعليمية وجهودا كبيرة كانت في هذا البلد إبان السيطرة الأمريكية عليه.
لقد أصبح زواج القاصرات والأطفال شائعا في أفغانستان في عهد طالبان وهي الظاهرة التي لاحظنا تناميها في سوريا أحمد الشرع بصورة خطيرة.
إحصائيات مروعة عن زواج الأطفال في أفغانستان
زواج الأطفال ليس ظاهرة جديدة في أفغانستان، بل هو جزء من نسيج اجتماعي واقتصادي معقد.
وفقًا لمنظمة اليونيسيف، يُعتبر زواج الأطفال هو الزواج الرسمي أو غير الرسمي لمن هم دون الثامنة عشرة، ويؤثر هذا الزواج على الفتيات بشكل أكبر من الأولاد.
في أفغانستان، تُشير التقديرات إلى أن 57% من الفتيات يتزوجن قبل سن التاسعة عشر، والأعمار الأكثر شيوعًا هي 15 و16 عامًا. لكن الأرقام تصبح أكثر إثارة للقلق عندما ننظر إلى الحالات القصوى: تقارير موثوقة من اليونيسيف تشير إلى أن أسرًا أفغانية عرضت فتيات في سن 20 يومًا فقط للزواج المستقبلي مقابل مهر.
في تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2012، تبين أن أكثر من 46% من النساء في أفغانستان يتزوجن قبل سن 18، و15% منهن قبل سن 15.
هذه الأرقام تعكس واقعًا مأساويًا حيث تُحرم الفتيات من التعليم والفرص، ويُعرضن لمخاطر صحية ونفسية جسيمة.
خطورة زواج الأطفال في أفغانستان
على سبيل المثال، الفتيات دون سن 15 أكثر عرضة للوفاة أثناء الولادة بخمس مرات مقارنة بالنساء البالغات، وغالبًا ما يولد أطفالهن قبل الأوان.
الأوضاع الاقتصادية المتردية بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2021 ساهمت في تفاقم هذه الظاهرة. مع ما يقرب من 90% من الأفغان يعانون من الجوع، اضطرت العديد من الأسر إلى “بيع” بناتها القاصرات مقابل المال لتأمين الطعام.
ناشط محلي يُدعى محبوب، في تصريح لصحيفة “أفغان تايمز”، أكد أن “العديد من العائلات في قريتنا تخلت عن بناتها مقابل المال.
لا أحد يساعدهم. الناس يائسون”. هذا اليأس دفع بعض الأسر إلى تزويج فتيات في سن مبكرة للغاية، في ممارسة وُصفت بأنها “بيع وحشي”.
وضع المرأة في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي
منذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، تدهور وضع النساء والفتيات في أفغانستان بشكل كارثي.
فرضت طالبان قيودًا صارمة، بما في ذلك حظر تعليم الفتيات بعد الصف السادس، وحظر توظيف النساء في معظم القطاعات، وحتى منعهن من دخول الحدائق العامة والصالات الرياضية وصالونات التجميل.
في تقرير للأمم المتحدة عام 2023، وُصفت أفغانستان بأنها “الدولة الأكثر قمعًا للنساء في العالم”.
القيود لم تقتصر على الحرمان من التعليم والعمل، بل امتدت إلى منع النساء من الخروج للمشي أو ممارسة الرياضة، وحتى التحدث أو إظهار أي جزء من أجسادهن خارج المنزل.
في بعض الحالات المتطرفة، وردت تقارير عن تعرض النساء للاغتصاب الجماعي والتعذيب في سجون طالبان.
نساء عاطلات عن العمل في أفغانستان
هذه القيود جعلت النساء والفتيات أكثر عرضة للاستغلال، حيث أصبح الزواج القسري الملاذ الوحيد للعديد من الأسر لتأمين مصدر دخل.
في مقابلة مع “بي بي سي” عام 2024، روت ثلاث نساء أفغانيات متعلمات تعليمًا عاليًا قصصهن عن فقدان وظائفهن ورواتبهن بعد سيطرة طالبان.
إحداهن، وتُدعى نادية (اسم مستعار)، كانت خبيرة اقتصادية رفيعة المستوى، لكنها الآن ممنوعة من العمل وتعيش في عزلة اجتماعية.
تقول نادية: “كان لدي راتبي الخاص، كنت أغطي نفقاتي الخاصة. الآن، أشعر باليأس”، هذه القصص تسلط الضوء على الواقع القاسي الذي تعيشه النساء في ظل حكم طالبان.
انتشار زواج الأطفال في أفغانستان
زواج الأطفال في أفغانستان ليس مجرد نتيجة للفقر، بل هو أيضًا نتاج تقاليد ثقافية راسخة.
وفقًا للجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان، فإن 60 إلى 80% من الزيجات في أفغانستان إما قسرية أو تتضمن قاصرات.
الفقر والأمية وانعدام الوعي بمخاطر الزواج المبكر هي الدوافع الرئيسية، إحدى الأمهات، وتُدعى أمينة، قالت: “زوجت ابنتي في سن مبكرة لأن هذا ما يفعله الجميع. ليس من الجيد إبقاء الفتاة في المنزل لوقت طويل”.
هذا التصور الثقافي، إلى جانب غياب قوانين صارمة تحدد سن الزواج، يجعل الفتيات عرضة للاستغلال.
على الصعيد القانوني، كانت هناك محاولات في السابق للحد من زواج الأطفال، في عام 2017، أطلقت الحكومة الأفغانية خطة عمل وطنية لإنهاء الزواج المبكر، لكن هذه الخطة واجهت تحديات كبيرة ولم تُنفذ بشكل فعال.
مع عودة طالبان، أُلغي الحد الأدنى لسن الزواج (16 عامًا)، مما فتح الباب أمام زيادة حالات زواج الأطفال دون أي عواقب قانونية.

