انفصال السويداء سوريا

في قلب محافظة السويداء، حيث ينبض جبل العرب بعروق الكرامة والصمود، دوّت صيحة “طلاق دروز” كالرعد في سماء سوريا الممزقة.

هذه الكلمات، التي أطلقتها السيدة الأردنية-السورية نيفين الخطيب خلال تظاهرة حاشدة يوم السبت، 16 أغسطس 2025، لم تكن مجرد شعار عابر، بل إعلان صلب يحمل في طياته رفضاً قاطعاً لسلطة دمشق ونظامها الجديد بقيادة أحمد الشرع.

كلماتها، التي رددتها ثلاث مرات عبر مكبرات الصوت، ليست مجرد تعبير عن غضب، بل إشارة واضحة إلى انفصال نهائي لا رجعة فيه، مستمدة من العقيدة الدرزية التي تجعل من “الطلاق” قراراً مصيرياً لا يقبل التفاوض.

نيفين الخطيب، التي لفتت الأنظار بجرأتها، لم تتحدث باسمها وحدها، بل عبرت عن نبض شعب السويداء الذي طالما عانى من الإقصاء والتهميش.

في خطابها، رفضت فكرة الفيدرالية أو الإدارة الذاتية، وطالبت باستقلال تام، معلنة أن “السويداء لن تموت جوعاً ولن تركع لأحد”، وسط هتافات المحتجين التي عكست إجماعاً على المطالبة بقطيعة نهائية مع دمشق.

هذه الصيحة ليست وليدة اللحظة، بل نتاج سنوات من القمع، الحصار، والانتهاكات التي تصاعدت بشكل خطير في ظل حكومة الشرع، التي وعدت بالتحرير لكنها كررت أساليب نظام الأسد في فرض السيطرة بالقوة بل وبشكل أسوأ حيث سعت إلى إبادة الدروز.

“طلاق دروز”، كما يعرفها أهل السويداء، ليست مجرد عبارة رمزية، إنها إعلان قطعي يعني الانفصال النهائي، بلا أمل في العودة.

تكرارها ثلاث مرات، كما فعلت نيفين، يحمل دلالات دينية واجتماعية عميقة في الثقافة الدرزية، حيث يصبح القرار ملزماً ولا رجعة فيه.

هذا الإعلان جاء في سياق أحداث دامية شهدتها السويداء منذ يوليو 2025، حين أرسلت حكومة الشرع قواتها لقمع احتجاجات الجبل، متهمة إياها بارتكاب انتهاكات خطيرة، منها إعدامات ميدانية ونهب قرى.

ثم تسرب فيديو موثق لعملية إعدام داخل مستشفى السويداء الوطني كشف عن وحشية هذه القوات، التي استهدفت مدنيين وعاملين في القطاع الطبي، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية.

ما يزيد من خطورة هذه الصيحة هو توقيتها، سوريا اليوم ليست دولة موحدة، بل أرض مفككة تتصارع فيها القوى الطائفية والإقليمية.

حكومة الشرع، التي ترفع شعار “سوريا واحدة”، فشلت في احتواء التنوع السوري، وكررت أخطاء الماضي بمحاولة فرض السيطرة عبر القمع.

تصريحات الشرع عن “التعامل خارج الصندوق” مع التدخل الإسرائيلي في الجنوب، أو تحذيراته من “تقسيم سوريا إلى كانتونات”، تبدو فارغة أمام واقع يشهد تصاعد التوترات الطائفية.

الدروز، بقيادة شخصيات مثل الشيخ حكمت الهجري، يرون في هذه الحملات محاولة لإخضاعهم وتفتيت هويتهم، لا سيما بعد الانتهاكات التي طالت رموزهم الدينية، مثل حلق شوارب مشايخهم وانتهاك مقاماتهم.

لكن هل يعني “طلاق دروز” فعلاً انفصال السويداء عن سوريا؟ هناك من يرى أن هذه الصيحة تعبر عن غضب مؤقت، بينما يؤكد آخرون، مثل الناشطين الذين وثقوا التظاهرة، أنها بداية مشروع سياسي حقيقي.

المطالب بالاستقلال ليست جديدة، فقد ظهرت في وقت سابق مع تأسيس حزب اللواء الدرزي الانفصالي، لكنها اليوم تكتسب زخماً شعبياً غير مسبوق. مع ذلك، يبقى السؤال: هل تستطيع السويداء، المحاصرة اقتصادياً ومحدودة الموارد، تحقيق استقلال فعلي؟ وهل ستقبل القوى الإقليمية، مثل إسرائيل التي تدعم الدروز ضمنياً، أو تركيا التي تعارض أي تقسيم، بهذا التحول؟

صيحة نيفين الخطيب ليست مجرد لحظة عابرة، بل جرس إنذار لدمشق وللعالم. إنها تعلن أن السويداء، التي قاومت الاستعمار والديكتاتورية على مدى قرن، لن تقبل الخضوع لسلطة جديدة تحمل نفس وجه القمع القديم.

“طلاق دروز” هو دعوة للكرامة، لكنها أيضاً تحذير من أن سوريا، إن لم تُعالج جروحها بحكمة، قد تنزلق إلى تقسيم لا يريده أحد، لكنه قد يفرض نفسه واقعاً.

السويداء اليوم تقف على مفترق طرق، وصوت نيفين يعكس قلب شعب لم يعد يثق بدمشق، بل يبحث عن طريقه الخاص، مهما كانت العواقب.